الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي.. حماية الفقراء أم حماية الصفقات؟

الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي.. حماية الفقراء أم حماية الصفقات؟

بينما كان المواطن ينتظر أن تتحول الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي إلى جسرٍ حقيقي نحو حمايةٍ اجتماعية عادلة، جاءت الأرقام لتكشف واقعًا صادمًا، واقعًا يفضح كيف يمكن أن ينقلب “الدعم المباشر” إلى شعارٍ أجوف، يخفي خلفه صفقات مشبوهة، وأرقامًا تُدار كما لو أنها لعبة داخل مكاتب مغلقة.

ففي ظرف أربعة أشهر فقط، التهمت صفقات الوكالة ما يزيد عن 40 مليون درهم. مبلغٌ يكفي لتغيير مصير آلاف الأسر الهشة، لكنه تبخر بين دراسات فضفاضة، تجهيزات مكتبية، وخدمات استشارية لا أثر لها على الأرض. وهنا، تُطرح الأسئلة المرّة: أين الدعم؟ وأين الأسر التي قيل إنها المستفيد الأول؟

الأدهى أن شهادات جديدة، من داخل المشهد الحزبي ذاته، تضيف مزيدًا من الملح على الجرح. القيادية سعاد بولعيش خرجت لتكشف عن تضخيمٍ فاضح في أسعار التجهيزات، وعن دورات تكوينية وهمية، وصفقات تمنح لمكاتب بعينها، بلا أي مؤشرات لقياس الأثر. كأننا أمام مسرحية مُعدّة مسبقًا، جمهورها الفقراء، وممثلوها أصحاب النفوذ.

ما يثير الغضب أكثر ليس حجم التبذير فقط، بل الطريقة التي تمرّر بها تلك الصفقات: إعلانات محدودة، عبارات مبهمة، إقصاء مقصود للمنافسة، كل ذلك في تناقض صارخ مع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

وفي الوقت الذي تغرق فيه الوكالة في بحر التعويضات والامتيازات، تظل الأرامل واليتامى والمعاقون يطرقون أبواب الدعم بلا جدوى، يطلبون الفتات بينما الملايين تُهدر على رفاه إداري داخلي.

الأسئلة هنا مشروعة، بل مُلحة: أين دور المفتشيات العامة؟ ولماذا تصمت النيابة العامة؟ وهل أضحت هذه الوكالة محمية سياسية خارجة عن رادار المحاسبة؟

إن استمرار هذا الوضع يعني شيئًا واحدًا: أن المال العام صار ريعًا جديدًا باسم “الطابع الاجتماعي”. وإن السكوت عنه ليس مجرد خطأ، بل هو تصريح ضمني بترك الحبل على الغارب، وتشجيع لهذا النمط من التدبير كي يستفحل في مؤسسات أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى