الجزائر والمغرب.. نصف قرن من العداء ومطاردة جار يواصل التقدم
يبدو أن بعض دوائر الحكم في الجزائر لم تعد تجد ما يشغلها أكثر من مراقبة المغرب، وكأن المملكة تحولت إلى مشروع سياسي دائم داخل حسابات نظام لم يستوعب بعد أن الدول لا تُقاس بما تنفقه على خصوماتها، بل بما تحققه لشعوبها.
نحو نصف قرن من التوتر والعداء السياسي، ومليارات من الأموال استُنزفت في حسابات إقليمية لم تحقق الأهداف المعلنة، وخطابات تتكرر بتعابير مختلفة، واجتماعات وبيانات لا تكاد تنتهي. وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز شراكاته وتطوير بنياته التحتية وتوسيع حضوره الدبلوماسي والاقتصادي، بينما لا يزال جزء من الخطاب السياسي الجزائري أسير الخصومة نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك منذ عقود.
والأكثر إثارة للسخرية أن المغرب، في بعض الحسابات الجزائرية، يبدو مسؤولاً عن كل شيء: عن الأزمات، وعن الإخفاقات، وعن تعثر المشاريع، وربما عن سوء الأحوال الجوية أيضاً! فبدل البحث عن أسباب الاختلالات داخل البيت، يصبح الجار هو المتهم الجاهز، وتتحول مراقبة خطواته إلى نشاط سياسي يكاد ينافس الملفات الداخلية أهمية.
وكلما حقق المغرب مكسباً دبلوماسياً أو اقتصادياً، عاد الخطاب المعادي إلى الواجهة، وكأن المطلوب ليس تحقيق إنجازات مماثلة، بل البحث عن طريقة للتقليل من إنجازات الآخرين. إنها سياسة تقوم على متابعة نجاح الجار أكثر مما تقوم على صناعة نجاح مماثل، وعلى استهلاك الطاقة في الخصومة بدل توجيهها نحو التنمية وتحسين أوضاع المواطنين.
والأكثر غرابة أن هذا النهج لا يقدم أي أفق حقيقي لشعوب المنطقة، التي كان من المفترض أن تستفيد من التعاون والتكامل الاقتصادي وحرية المبادلات. فبدل أن تتحول الحدود المغلقة إلى جسور للتبادل، ظلت الخلافات السياسية تعطل فرصاً اقتصادية وتنموية كان بإمكانها أن تعود بالنفع على ملايين المواطنين في البلدين.
ومع ذلك، لا ينبغي للمغرب أن يكتفي بالسخرية من هذا المشهد أو أن يبالغ في الثقة بما حققه من مكاسب. فالتنافس الإقليمي لا يخلو من محاولات الضغط والتأثير، وحماية المصالح الوطنية تقتضي اليقظة والاستعداد لمختلف السيناريوهات، سواء تعلق الأمر بالتحركات الدبلوماسية أو المنافسة الاقتصادية أو الحملات التي تستهدف صورة المملكة ومصالحها.
كما أن التحديات لا تأتي بالضرورة من جهة واحدة؛ فهناك أطراف إقليمية ودولية قد لا تنظر بعين الارتياح إلى تنامي الحضور المغربي في عدد من المجالات. لذلك، فإن تعزيز الجبهة الداخلية، وتطوير الاقتصاد، وتقوية المؤسسات، وتنويع الشراكات، تظل عناصر أساسية لحماية المكتسبات ومواصلة مسار التقدم.
أما الجزائر، فليس أمامها سوى مراجعة حسابات سياسة استنزفت المنطقة وأبقت العلاقات الثنائية رهينة خلافات مزمنة. فالتاريخ لا يمنح الدول نقاطاً إضافية لأنها أنفقت أكثر في صراعاتها، ولا يقيس مكانتها بعدد البيانات العدائية التي تصدرها، بل بقدرتها على تحقيق التنمية وصناعة مستقبل أفضل لمواطنيها.
وفي النهاية، لا يحتاج المغرب إلى التوقف عن التقدم حتى يطمئن خصومه، ولا إلى الدخول في سجال يومي للرد على كل خطاب معادٍ. ما يحتاجه هو مواصلة البناء بثقة، والتعامل بجدية مع التحديات، وترك نتائج السياسات تتحدث عن أصحابها.





