ابن كيران والذبابة الإلكترونية.. حين تتحول السياسة إلى مسرح للسخرية
عاد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى واجهة السجال على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت صورة لمنزله بحي الليمون في الرباط إلى مادة للتعليق والسخرية، وفتحت الباب أمام جولة جديدة من الدفاع الرقمي عن الرجل، في مشهد يلخص جانباً من أعطاب الممارسة السياسية بالمغرب.
المثير في الواقعة ليس شكل المنزل ولا تفاصيله، بل الطريقة التي جرى بها توظيف الصورة سياسياً. فبدل أن يبقى النقاش في حدود التعليق على منشور متداول، تحولت المسألة إلى مناسبة لاستعراض الولاء، وكأن ابن كيران شخصية لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، حتى عندما يتعلق الأمر بصورة منشورة في الفضاء العام.
هنا تتدخل «الذبابة الإلكترونية» لتؤدي دورها المعتاد في معارك المنصات: تحويل التفاصيل الصغيرة إلى قضايا كبرى، وتقديم الدفاع عن الأشخاص باعتباره دفاعاً عن مشروع سياسي كامل. وكأن الزعامة التي يفترض أن تستمد قوتها من المواقف والحصيلة تحتاج إلى حراسة رقمية تلاحق المنتقدين وترد على كل تعليق.
لكن السياسة لا تُقاس بواجهة منزل، كما لا تُقاس الزعامة بعدد المدافعين في مواقع التواصل. فابن كيران الذي قاد الحكومة لسنوات يظل، مثل غيره من المسؤولين السابقين، موضوعاً مشروعاً للنقد والمساءلة بشأن حصيلة تجربته ووعوده وقراراته. أما تحويل كل صورة إلى معركة ولاء، فلا يضيف شيئاً إلى النقاش العمومي، بل يختصر السياسة في تصفية الحسابات وتبادل التعليقات.
والسخرية أن بعض المدافعين يتعاملون مع صورة منزلية كما لو أنها امتحان وطني في الوفاء للزعيم، بينما ينتظر المواطن نقاشاً أكثر جدية حول القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم. فالسياسة التي تعجز عن تقديم أجوبة مقنعة عن الملفات اليومية لا ينقذها جيش من الحسابات، ولا تمنحها التعليقات المتحمسة حصيلة جديدة.
ليس المطلوب منع السخرية من ابن كيران أو غيره من الشخصيات العمومية، فالنقد والسخرية جزء من النقاش السياسي، شرط ألا يتحولا إلى سب أو قذف أو ترويج ادعاءات غير مثبتة. المطلوب هو أن يظل النقاش متصلاً بما يهم المواطنين، وألا تتحول كل صورة إلى مناسبة لإعادة إنتاج عبادة الأشخاص، أو إلى فرصة لقياس قوة المعسكرات الرقمية.
في النهاية، لا يحتاج ابن كيران إلى ذبابة إلكترونية تحلق حول صورته بقدر ما يحتاج المشهد السياسي إلى نقاش يقيس الزعماء بما قدموه، لا بما يقوله أنصارهم عنهم. فحين تصبح الصورة أهم من الحصيلة، وتتحول التعليقات إلى بديل عن المحاسبة، تكون السياسة قد وجدت طريقة مريحة للهروب من الأسئلة الحقيقية، حتى من دون أن يطرحها أحد.






