آخر الأخبار

نزار بركة والخطاط ينجا.. ملف يضع مساطر الاستقلال تحت المجهر

الاستقلال يهدد البام بسحب رئاسة جهة الداخلة واد الذهب من الخطاط

يبدو أن حزب الاستقلال أمام اختبار حقيقي في موضوع الانضباط الحزبي، ليس بسبب وجود مساطر تنظيمية وقانونية، فهذا أمر طبيعي داخل أي حزب، وإنما بسبب السؤال الأبسط والأكثر إحراجاً: هل تطبق هذه المساطر بالصرامة نفسها على الجميع؟

السؤال عاد إلى الواجهة بعد انتقال الخطاط ينجا، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب، من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز الماضي، وهو انتقال فتح منذ ذلك الحين نقاشاً حول الوضع القانوني لرئاسته للجهة ومقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.

هنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُقرأ بهدوء، لأن حزب الاستقلال وجد نفسه أمام حالة سياسية لا يمكن المرور عليها بمنطق «كل شيء عادي». الرجل كان منتخباً باسم الحزب، ثم غادره والتحق بحزب آخر، بل ظهر لاحقاً مرشحاً باسم «البام» في الانتخابات التشريعية. ومع ذلك، ظلت مسألة تفعيل المساطر في حقه موضوعاً للنقاش، بينما يعرف الداخل الاستقلالي حالات أخرى تم فيها تحريك آليات التجريد والتأديب في مواجهة منتخبين بسبب مواقف أو تصويتات لم تنسجم مع توجهات الحزب.

فالمنتخب الذي يختلف مع قيادة الحزب في تصويت داخل جماعة ترابية قد يجد نفسه أمام ماكينة تنظيمية جاهزة للاشتغال، بينما عندما يتعلق الأمر برئيس جهة غادر الحزب والتحق بتنظيم منافس، يبدو المشهد أكثر هدوءاً. كأن المسطرة نفسها تحتاج أحياناً إلى أن تعرف أولاً اسم صاحب الملف قبل أن تقرر السرعة التي ستتحرك بها.

هذا هو السؤال الذي يضع الأمين العام نزار بركة أمام مسؤولية سياسية وتنظيمية واضحة: ما هو المعيار الذي يحكم تطبيق القواعد داخل الحزب؟

لأن الحديث عن الانضباط الحزبي يصبح فاقداً لكثير من معناه إذا شعر المنتخبون بأن القاعدة يمكن أن تكون صارمة مع هذا، ومرنة مع ذاك. والحزب السياسي لا يعيش فقط بالقوانين المكتوبة، بل أيضاً بالإحساس بأن تلك القوانين تطبق بالمعيار نفسه، مهما كان اسم المنتخب وموقعه وحجم نفوذه.

والأغرب أن النقاش لا يتعلق هنا بالدفاع عن شخص بعينه أو مهاجمة شخص آخر. القضية أكبر من ذلك. إنها تتعلق بصورة الحزب أمام منتخبيه وأعضائه، وبمدى قدرته على إقناعهم بأن الالتزام التنظيمي ليس بطاقة امتياز لكبار الأسماء ولا عصاً جاهزة للصغار.

أما إذا كان تغيير الانتماء السياسي خلال الولاية الانتدابية يترتب عليه قانوناً مسار معين، فالمطلوب ببساطة هو توضيح كيفية تطبيق هذا المقتضى في حالة الخطاط ينجا، بدل ترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات. فقد سبق أن أثارت هذه الحالة نقاشاً إعلامياً حول المادة 54 وإمكانية التجريد من عضوية مجلس الجهة.

وفي الجهة الأخرى، إذا كانت بعض المواقف المخالفة لتوجيهات الحزب كافية لتحريك مساطر التجريد أو التأديب ضد منتخبين استقلاليين، فمن حق هؤلاء أيضاً أن يعرفوا أين تنتهي حرية المنتخب في الدفاع عن مصالح المواطنين، وأين يبدأ الالتزام الحزبي.

لا يمكن أن يكون المنتخب مطلوباً منه أن يكون «استقلالياً» فقط عندما يصوت وفق التعليمات، ثم يصبح الحديث عن مصلحة الساكنة هو العذر الوحيد عندما يتعلق الأمر بشخص آخر. القاعدة، إن كانت قاعدة، يجب أن تكون قاعدة للجميع.

وبعد الانتخابات الأخيرة، تأتي هذه القضية في توقيت أكثر حساسية بالنسبة إلى حزب الاستقلال، خصوصاً مع عودة ملفات الانضباط الداخلي إلى الواجهة، ومنها إحالة النعم ميارة وعدد من القياديين والأعضاء على لجنة التأديب على خلفية اتهامات بدعم مرشحين من حزب التجمع الوطني للأحرار. وهذه الإحالة نفسها ما تزال في إطار المسطرة التنظيمية ولم يصدر بشأنها حكم نهائي داخل الحزب.

المطلوب من القيادة هنا ليس توزيع الغضب التنظيمي، بل توحيد المعيار. فالسياسة الحزبية لا تستقيم بمنطق «هذا ملف كبير، فلنتركه جانباً»، و«هذا منتخب بسيط، فلنطبق عليه القانون فوراً».

وفي نهاية المطاف، أقوى ما يمكن أن تقدمه قيادة حزب الاستقلال لأعضائها ليس كثرة المساطر، بل وضوحها. لأن الحزب الذي يريد استعادة الثقة لا يحتاج إلى قواعد كثيرة بقدر حاجته إلى قاعدة واحدة لا تتغير حسب حجم الاسم: نفس القاعدة للجميع.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار

تابع الأخبار24