
الرشيدي وملف الإعاقة.. حين تصبح الأرقام بديلاً عن الواقع
الرشيدي وملف الإعاقة.. حين تصبح الأرقام بديلاً عن الواقع
في كل مرة يُفتح فيها ملف الأشخاص في وضعية إعاقة، تحضر الأرقام بقوة، وتظهر المشاريع والمخططات والبرامج وكأن المغرب قطع أشواطاً طويلة في بناء «الدولة الاجتماعية».
لكن خارج قاعات الاجتماعات والبلاغات الرسمية، هناك واقع آخر لا يحتاج إلى إحصائيات حتى يُرى.
عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، المكلف بالإدماج الاجتماعي، يوجد في قلب هذا الملف، وبالتالي فإن السؤال السياسي الحقيقي لا يرتبط بعدد البرامج التي تم الإعلان عنها، بل بما تركته فعلياً في حياة الأشخاص في وضعية إعاقة.
فالحديث عن الإدماج يصبح أقل إقناعاً عندما يظل الشخص في وضعية إعاقة يصطدم بغياب الولوجيات، ويجد صعوبة في الوصول إلى الخدمات، ثم ينتقل إلى معركة أخرى أكثر قسوة بحثاً عن عمل أو دخل يضمن له الحد الأدنى من الاستقلالية.
والواقع أن الخطاب الرسمي يستطيع بسهولة تقديم أرقام جديدة، لكن الشارع لا يقيس السياسات الاجتماعية بالأرقام. فالشخص الذي يجد نفسه مضطراً إلى بيع بعض السلع في الشارع لتدبير يومه، لا تعنيه كثرة البرامج بقدر ما يعنيه أن تصل نتائجها فعلياً إلى حياته.
والأمر نفسه ينطبق على التشغيل. فمن الصعب الحديث عن إدماج اجتماعي كامل بينما لا تزال فرص العمل محدودة أمام فئة تتوفر، في حالات كثيرة، على مؤهلات وقدرات مهنية، لكنها تصطدم بحواجز اجتماعية ومؤسساتية تجعل الوصول إلى سوق الشغل أكثر تعقيداً.
أما الولوجيات، فهي ربما الامتحان الأكثر وضوحاً. فحين يعجز شخص عن دخول إدارة أو استعمال مرفق عمومي أو التنقل بشكل مستقل، تصبح كل الشعارات المتعلقة بالإدماج بحاجة إلى ترجمة بسيطة على الأرض: منحدر، مصعد، وسيلة نقل مناسبة، وخدمة عمومية تراعي احتياجات الجميع.
هنا تحديداً يصبح موقع كاتب الدولة محرجاً سياسياً، لأن ملف الإدماج لا يحتمل كثيراً من المسافة بين الخطاب والواقع. النجاح لا يقاس بعدد الندوات ولا بحجم العروض التقديمية، وإنما بمدى تغير حياة الناس.
والسخرية في المشهد أن «الدولة الاجتماعية» يمكن أن تبدو مكتملة في الوثائق، بينما لا تزال ناقصة في الطريق إلى الإدارة، وفي البحث عن العمل، وفي الحصول على الخدمات الأساسية.
لذلك، فإن المطلوب من عبد الجبار الرشيدي ليس المزيد من العناوين البراقة، وإنما نتائج يمكن للمواطن أن يلمسها دون الحاجة إلى شرح طويل.
فالسياسة الاجتماعية التي تحتاج إلى الكثير من الكلام لإثبات نجاحها، بينما يظل أثرها ضعيفاً في الحياة اليومية، تكون قد دخلت منطقة الخطر.
ملف الإعاقة تحديداً لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى تنفيذ صارم، وتمويل واضح، وربط المسؤولية بالنتائج. لأن الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينتظرون مشروعاً جديداً ليضاف إلى لائحة المشاريع، بل ينتظرون حياة أقل صعوبة.
وفي النهاية، يبقى الاختبار بسيطاً: إذا كانت الدولة الاجتماعية قد وصلت فعلاً إلى المواطن، فيجب أن تظهر في الشارع قبل أن تظهر في التقارير. أما إذا بقيت حبيسة الأرقام والبرامج، فسيظل الرشيدي مطالباً بتفسير الفارق بين الإدماج كما يُكتب في الوثائق والإدماج كما يعيشه الناس.







