
تونس في مواجهة العطش والظلام.. أزمة خدمات تتحول إلى أزمة ثقة
تونس في مواجهة العطش والظلام.. أزمة خدمات تتحول إلى أزمة ثقة
تعيش تونس صيفاً ثقيلاً على وقع انقطاعات متكررة للماء والكهرباء، في أزمة لم تعد محصورة في تدبير الخدمات الأساسية، بل بدأت تأخذ منحى سياسياً مع تصاعد غضب المواطنين ضد السلطة.
وبينما اعتاد التونسيون خلال السنوات الماضية على أزمات التزويد ونقص بعض المواد والخدمات، جاءت موجة الحر القوية هذا الصيف لتزيد الوضع تعقيداً، بعدما ارتفع الطلب على الكهرباء والمياه، في وقت واجهت فيه شبكات الإنتاج والتوزيع ضغوطاً متزايدة.
وفي الشوارع كما على مواقع التواصل الاجتماعي، ارتفعت أصوات تنتقد طريقة تعامل السلطات مع الأزمة، وتحملها مسؤولية التأخر في تقديم حلول عملية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول ساعات الانقطاع أو صعوبة الحصول على المياه، بل امتد إلى قدرة الدولة على ضمان الخدمات الأساسية في فترة تعرف فيها البلاد درجات حرارة مرتفعة.
وفي قلب هذا الغضب، خرج الرئيس التونسي قيس سعيّد بخطاب مختلف، إذ تحدث عن احتمال وجود أعمال تخريب متعمدة تقف وراء بعض الاضطرابات، معتبراً أن الهدف قد يكون تأجيج الاحتقان ودفع المواطنين إلى مواجهة السلطة.
لكن هذا التفسير لم يضع حداً للانتقادات، إذ يظل المواطن معنياً قبل كل شيء بتوفر الماء والكهرباء، بعيداً عن الصراع السياسي وتبادل الاتهامات.
وتحوّلت الأزمة تدريجياً إلى اختبار حقيقي للسلطة، خصوصاً مع خروج احتجاجات إلى الشارع في العاصمة تونس، في وقت أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً رئيسياً لتبادل الاتهامات بين أنصار السلطة وخصومها.
وتزداد حساسية الوضع مع أزمة المياه المعدنية المعبأة، التي شهدت صعوبات في التزويد منذ بداية غشت. وقد ساهم ارتفاع الطلب، إلى جانب اضطرابات الكهرباء التي أثرت على بعض خطوط الإنتاج، في تعقيد الوضع داخل السوق.
وبذلك، لم يعد «صيف الانقطاعات» مجرد أزمة تقنية أو ظرفية، بل أصبح عنواناً لمشكلة أوسع تتعلق بالخدمات العمومية والثقة في قدرة الدولة على التدخل في الوقت المناسب.
وفي بلد اعتاد الأزمات، يبدو أن المشكلة هذه المرة ليست فقط في انقطاع الكهرباء أو نقص المياه، وإنما في اتساع المسافة بين ما تقوله السلطة وما يعيشه المواطن يومياً. فالحرارة لا تنتظر الخطابات، والماء لا يصل إلى المنازل بالتصريحات، والكهرباء لا تعود إلى الشبكة بمجرد تبادل الاتهامات.
وهكذا يدخل الصيف التونسي مرحلة سياسية أكثر تعقيداً، بعدما تحولت أزمة الخدمات الأساسية إلى مادة للاحتجاج والمواجهة، فيما تبقى السلطات مطالبة بتحويل خطابها من تفسير أسباب الأزمة إلى تقديم حلول محسوسة لها.







