
نعيمة بن يحيى والرشيدي يوقعان الاتفاقيات… والبحر يوقّع على الواقع
نعيمة بن يحيى والرشيدي يوقعان الاتفاقيات… والبحر يوقّع على الواقع
لم تمر سوى أيام قليلة على توقيع اتفاقيات جديدة وإطلاق الحملة الوطنية الثانية لإذكاء الوعي بالإعاقة تحت شعار “نغيرو النظرة ديالنا… نحو بيئة دامجة للأشخاص في وضعية إعاقة وخالية من الحواجز”، حتى جاءت صورة شخص من ذوي الإعاقة وهو يخوض مغامرة الهجرة نحو سبتة لتقلب المشهد رأسًا على عقب.
في قاعات المؤتمرات، كان الحديث عن الإدماج والولوجيات والشراكات. وعلى الشاطئ، كان الواقع يكتب قصة مختلفة تمامًا. بين المشهدين، سؤال يصعب تجاهله: أين وصل أثر هذه السياسات؟
الوزيرة نعيمة بن يحيى، وكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي عبد الجبار الرشيدي، لم يدخرا مناسبة إلا وتحدثا فيها عن الإدماج وتكافؤ الفرص وتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. ووقّعت وزارتهما اتفاقيات مع مؤسسات وجمعيات، ونُظمت لقاءات وندوات وحملات تحسيسية، آخرها في سلا وفاس. لكن عندما يظهر شخص من ذوي الإعاقة وسط أمواج البحر بحثًا عن فرصة خارج الوطن، فإن الصورة تطرح سؤالًا أكبر من كل البلاغات: هل وصل الإدماج إلى من يحتاجه، أم بقي حبيس المنصات؟
المفارقة أن الوزارة تدعو إلى تغيير النظرة إلى الإعاقة، بينما كثير من الأشخاص في وضعية إعاقة لا ينتظرون تغيير النظرة بقدر ما ينتظرون تغيير حياتهم. فالمشكل بالنسبة إليهم لا يبدأ بالشعار، بل يبدأ عندما يبحثون عن علاج فلا يجدونه، أو عن وسيلة نقل مهيأة، أو عن مدرسة دامجة، أو عن فرصة شغل، أو عن إدارة يستطيعون ولوجها دون عناء.
الإدماج لا يُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بعدد الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بسببها. أما إذا بقيت الاتفاقيات تُوقَّع، والندوات تُنظم، والصور تُلتقط، بينما يزداد شعور بعض الفئات بالهشاشة، فإن السؤال عن النجاعة يصبح مشروعًا.
ولا أحد يحمّل وزارة التضامن وحدها مسؤولية كل ما يعيشه الأشخاص في وضعية إعاقة، فالإدماج ورش تتقاسمه قطاعات متعددة. لكن الوزارة هي الواجهة السياسية لهذا الملف، وهي مطالبة قبل غيرها بأن تقدم حصيلة تُقاس بالأثر، لا بعدد الأنشطة.
الصورة التي خرجت من سبتة لم تكن مجرد مشهد إنساني مؤلم، بل كانت اختبارًا قاسيًا لمدى انعكاس السياسات العمومية على الفئات الأكثر هشاشة. فمن الصعب الحديث عن بيئة دامجة، بينما يشعر بعض الأشخاص بأن البحر، بكل مخاطره، يمنحهم أفقًا لم يجدوه على اليابسة.
قد تنتهي الحملة الوطنية، وتُطوى ملفات الاتفاقيات داخل الرفوف، لكن صورة شخص في وضعية إعاقة يواجه الأمواج ستظل تلاحق كل خطاب رسمي يتحدث عن الإدماج. لأنها ببساطة تقول إن الفجوة بين الشعار والواقع ما زالت واسعة، وإن النجاح لا يُقاس بما يُعلن عنه، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية.







