
السعدي تحت النار.. غضب داخل قطاع الصناعة التقليدية
السعدي تحت النار.. غضب داخل قطاع الصناعة التقليدية
يبدو أن لحسن السعدي وجد نفسه في قلب عاصفة جديدة، بعدما تحولت الندوة الصحافية التي نظمها التنسيق النقابي بقطاع الصناعة التقليدية إلى جلسة “تشريح سياسي” لطريقة تدبير قطاع يُفترض أنه واحد من أهم خزانات التشغيل والهوية الاقتصادية بالمغرب، لكنه يعيش، بحسب النقابات، على وقع التخبط والمحسوبية وغياب أي رؤية استراتيجية حقيقية.
النقابات لم تكتفِ هذه المرة بانتقاد التفاصيل الإدارية المعتادة، بل وجهت اتهامات مباشرة للإدارة الوصية على القطاع، معتبرة أن السنوات الأخيرة تحولت إلى مرحلة “تدمير بطيء” لمعنويات الموظفين والكفاءات، وسط انتشار التكليفات المشبوهة والتنقيلات الغامضة ومنطق “الهاتف” الذي أصبح، وفق تعبير غاضب داخل الندوة، أقوى من القانون نفسه.
وفي المغرب، حين يصبح الموظف محتاجاً إلى “معارف” أكثر من حاجته إلى الكفاءة، فاعلم أن الإدارة دخلت رسمياً مرحلة “الصناعة التقليدية للمحسوبية”. قطاع كامل يتحدث عن الشفافية، بينما التنقيلات والتعيينات تُفهم أحياناً أكثر عبر العلاقات الشخصية من المذكرات الإدارية.
الغضب النقابي انفجر خصوصاً بعد حديث التنسيق عن تكليف موظفين جدد بمناصب مسؤولية، في وقت يتم فيه إبعاد أطر قضت سنوات طويلة داخل القطاع. مشهد وصفه البعض داخل الندوة بأنه “إهانة للكفاءة”، بينما اعتبر آخرون أن ما يجري يشبه إعادة تدوير منطق الولاءات داخل إدارة يفترض أنها تدبر قطاعاً حيوياً لا جمعية انتخابية موسمية.
لكن أكثر ما أثار السخرية داخل النقاش هو الأرقام التي يتم تقديمها باعتبارها “إنجازات”. الحكومة، ومن خلالها كاتب الدولة، تتحدث بفخر عن بلوغ صادرات الصناعة التقليدية مليار درهم، بينما النقابات أعادت الجميع إلى سنة 2015، حين كانت الاستراتيجية الرسمية نفسها تتحدث عن هدف يصل إلى 7 مليارات درهم.
هنا تحولت “المليار” من رقم اقتصادي إلى نكتة سياسية ثقيلة. كيف يمكن لقطاع يملك هذا الحجم من الإمكانيات والحرف واليد العاملة والأسواق الدولية أن يُقدَّم له مليار درهم كأنه إنجاز أسطوري؟ وكأن شخصاً كان يحلم ببناء قصر، ثم خرج ليحتفل لأنه اشترى باباً فقط.
النقابات ذكّرت أيضاً بأن قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي ليس مجرد نشاط هامشي، بل قطاع قادر على خلق الثروة وفرص الشغل إذا توفرت له رؤية حقيقية. لكن، بحسب المنتقدين، المشكلة أن الحكومة الحالية تتعامل مع القطاع بعقلية التدبير اليومي، لا بعقلية الاستثمار الاستراتيجي.
وفي قلب هذا الجدل، وجد لحسن السعدي نفسه أمام اتهامات ثقيلة تتعلق بتدبير الموارد البشرية، خصوصاً بعد الحديث عن استمرار “نقط سوداء” داخل القطاع، من بينها مشاكل الانتقالات والترقيات والتمديد بعد التقاعد، إضافة إلى ما وصفه المحتجون باستعمال بعض الملفات الإدارية كورقة ضغط على الموظفين والمناضلين النقابيين.
ولأن العبث في الإدارة المغربية لا يكتمل دون “جمعيات الأعمال الاجتماعية”، فقد دخل هذا الملف بدوره إلى خط النار. التنسيق النقابي تحدث عن اختلالات خطيرة داخل الجمعية، وعن غياب الشفافية والديمقراطية في التسيير، بل وحتى عن تحويل بعض الأنشطة إلى فضاءات غامضة لا يفهم الموظفون علاقتها الحقيقية بالأعمال الاجتماعية.
المفارقة الساخرة أن القطاع الذي يُفترض أنه يحافظ على الصناعة التقليدية المغربية، أصبح بدوره ينتج “صناعة تقليدية” من الأزمات الإدارية نفسها: تكليفات مثيرة، تنقيلات غامضة، تهميش للكفاءات، وحوارات تُغلق قبل أن تبدأ.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المهنيون والموظفون رؤية واضحة قادرة على تحويل الصناعة التقليدية إلى قوة اقتصادية حقيقية، يبدو أن القطاع دخل في دوامة من الصراعات الداخلية والتدبير المرتجل، بينما تستمر الحكومة في تسويق أرقام لا تقنع حتى العاملين داخل القطاع أنفسهم.
وفي النهاية، قد ينجح المسؤولون في تقديم البلاغات والاحتفال بالأرقام أمام الكاميرات، لكن الواقع داخل القطاع يبدو أقل احتفالاً بكثير. لأن الموظف الذي يشعر بالظلم، والحرفي الذي لا يرى أثراً حقيقياً للوعود، لا تعنيه لغة الإنجازات الورقية بقدر ما يعنيه سؤال بسيط: أين هي الرؤية التي وُعد بها هذا القطاع منذ سنوات؟







