خارج التغطية الصحية..تجاهل حكومي يزيد من عمق أزمة الصحة العمومية
في وقت تتسابق فيه الحكومة لإبراز ما تسميه إصلاحات اجتماعية، يطفو إلى السطح واقع صادم يكشف أن أكثر من ثمانية ملايين ونصف مغربي ما زالوا خارج نظام التغطية الصحية الإلزامية، رغم إطلاق مشاريع كبرى في هذا الإطار.
الغريب أن هذا الملف لا يثير كثيرًا من القلق داخل دوائر القرار، بينما تتسع الهوة بين الشعارات والسياسات الفعلية.
القطاع الخاص يستفيد والمواطن يدفع الثمن..
المثير للقلق أن أغلب أموال مشروع التأمين الإجباري عن المرض لا تُضخ في المستشفيات العمومية، بل تذهب في اتجاه واحد، نحو القطاع الصحي الخاص.
نسب ضخمة من الميزانية تلتهمها العيادات والمصحات، دون مردودية حقيقية على صعيد جودة الخدمات أو تخفيف العبء عن الفئات الهشة. تضخيم الفواتير، بروتوكولات علاجية لا حاجة لها، وفواتير بمبالغ خيالية.. كل ذلك بات جزءًا من المشهد الصحي اليومي.
التقارير تُظهر أن الملفات الطبية التي تُرفض تعويضاتها بنسبة ساحقة تأتي من القطاع الخاص. السبب؟ غياب التنسيق، وعدم وجود بروتوكول علاجي موحد بين المرافق الصحية العمومية ونظيرتها الخاصة.
هذا الوضع يُسهم في تحويل العلاج إلى متاهة بيروقراطية لا تنصف المريض، بل تثقل كاهله.
ديون لتمويل مشروع غير مستدام
من أجل تمويل منظومة التأمين الصحي، لجأت الحكومة إلى قروض خارجية، بعضها من البنك الدولي وآخر من البنك الإفريقي للتنمية. هذا الخيار المالي يثير أسئلة جوهرية حول استدامة المشروع، خاصة أن الديون ترهن مستقبل الأجيال المقبلة في سبيل تغطية نفقات تذهب أساسًا إلى القطاع الخاص، دون أن تحصّن المستشفى العمومي أو تدعمه.
الغريب في الأمر أن الحكومة تبدو راضية تمامًا عن هذا المسار، وتواصل تسويق إنجازات لم يلمسها المواطن، لا في جودة الخدمة ولا في تخفيف الأعباء المالية عنه.
المستشفى العمومي على حافة الانهيار
في ظل هذا التوجه، تعاني المرافق الصحية العمومية من نقص فادح في التجهيزات الطبية، انقطاع مزمن في الأدوية، أجهزة متعطلة منذ شهور، وفضائح تتعلق بصفقات غامضة. المواطن العادي يُضطر للانتظار شهورًا من أجل موعد فحص بسيط، وإن أراد العلاج، لا خيار أمامه إلا التوجه نحو المصحات الخاصة بأسعار باهظة، وتعويضات ضئيلة لا تغطي حتى جزءًا بسيطًا من الفاتورة.
في المقابل، تُهمل الحكومة المؤسسات العمومية التي تُعتبر أساس الحماية الاجتماعية، ويُحرم الأطباء والممرضون من الموارد الضرورية لتقديم خدمات إنسانية تليق بالكرامة.
منطق البيع والشراء يهيمن على قطاع الصحة
القطاع الصحي في المغرب لم يعد مجرد مرفق اجتماعي، بل تحول إلى سوق عنوانه البيع والشراء. المواطن يُعامل كزبون، والدواء سلعة، والعمليات الطبية تخضع لمنطق الربح لا العناية.
هذا الوضع يفضح خللًا بنيويًا في تصور الدولة لأولوية الحق في الصحة، ويُنذر بتداعيات أخطر إن لم يتم تصحيح المسار.
الصحة ليست تجارة.. والمغاربة ليسوا زبائن
إذا كانت الحكومة جادة فعلًا في بناء منظومة اجتماعية عادلة، فالمعركة تبدأ من إنقاذ المستشفى العمومي، وضمان التمويل المستدام له، بدل ضخ المليارات في جيوب القطاع الخاص.
إصلاح الصحة لا يكون عبر القروض ولا عبر الدعاية، بل بتوفير دواء غير منقطع، وفحص لا يتطلب الانتظار لأسابيع، وطبيب يملك أدواته لا وعودًا فارغة.
