وهبي يعلن استراتيجية «الانتظار».. والمدونة تنتظر مثلنا نحن المواطنين
في جلسة مسائلة البرلمان، قدّم وزير العدل عبد اللطيف وهبي خلاصةً موجزة عن وضع مدونة الأسرة الجديدة: لم يعرف موعد صدورها، ولم يقدّم سوى عبارةٍ تتردَّد كأنها شعار حكومي جديد: «كنتسناو.. كاين نقاش وخلاف وهناك اتفاقات تمت».
تصريحٌ يبدو بريئًا عند السماع، لكنه في جوهره إعلانٌ صريح بأن سياسة التأجيل قد تحولت إلى منهج عمل رسمي.
الجزء المُشرف في كلام الوزير لم يغب بالطبع: أشار إلى تراجع طلبات تزويج القاصرات من 26,298 طلبًا سنة 2017 إلى 8,955 طلبًا سنة 2024.
رقمٌ يستدعي التقدير، ولا يليق التقليل منه. لكن التحليل الصحفي البسيط يفرض سؤالاً لا يحتمل التفنّن: إذا كانت الأرقام تحسّنت، فلماذا تبقى المدونة معلّقة في حلقة بلا نهاية من «النقاش والاتفاقات»؟ كيف نثبّت هذا التقدّم بلا قانون يضع حداً للاستثناءات ولا يترك الباب مواربًا أمام من يصرّ على العودة إلى عاداتٍ مجحفة؟
هنا يكمن السخرية المُرة: الدولة تحتفل بنتائج تُقاس بالإحصاء، لكنها تَتريّث في وضع قاعدة دستورية وقانونية تحمي هذه النتائج. الوزير يعلن عن «اتفاقات» دون أن يعلن جدولًا زمنياً، ويقول بصراحة إنه «ماعارفش فوقاش تخرج المدونة» — وهي جملةٌ قد تكون مناسبة أكثر لموعد عرض مسلسل تلفزيوني منها لقضية تُحيل إلى مستقبل أطفال ونساء.
التأجيل ليس مجرد لعبة كلمات؛ له ثمنٌ عملي. كل يوم يمرّ دون مدونة واضحة يُعطي فرصةً لمن يسعى إلى الالتفاف على المكتسبات، وللقوانين الجزئية أن تعود تُطبَّق بطريقة انتقائية. وإذا كانت الحكومة تعتمد «الانتظار» كخطة، فالحقيقة أن هذا الانتظار لا يُجلب الأمان ولا يقي هشاشة الأطفال والمراهقات. المطلوب قانونٌ صارم، آليات تنفيذ فعّالة، وحماية حقيقية لمن هم عرضة للزواج المبكر.
من ناحية أخرى، لا ضير في أن نطالب بالدقة: الفرق بين ما ذكره الوزير وبين الأرقام التي تُروَّج في بعض الخطب ليس تافهاً. الانخفاض الفعلي — بما يقارب 17,343 طلبًا — يستحق التقدير، لكنه ليس ذريعة للرضا المُطلق أو للتمادي في التأجيل.
الخلاصة، وبأسلوبٍ أقل مجاملة مما اعتدنا: لا نريد فلسفات «كنتسناو» ولا بيانات تهدئة. المواطنات والمواطنون يريدون خرائط طريق واضحة: متى تُعرض المدونة على الحكومة؟ متى تُحال إلى البرلمان؟ وما هي الضمانات ضد الاستثناءات؟ إن كانت هناك «اتفاقات»، فلتُترجم فورًا إلى نصوص ملزمة، وإلا فلتكف الحكومة عن تحويل حقوق الناس إلى مادةٍ للمفاوضات غير المنتهية. الانتظار في هذه الحالة ليس سياسة، بل تواطؤ مع الزمن على حساب الأضعف.
