هل تعلم الوزيرة أن وزارتها تستنزف الملايير لكراء بناية مهجورة ؟

هل تعلم الوزيرة أن وزارتها تستنزف الملايير لكراء بناية مهجورة؟

في زاوية من زوايا العاصمة، تقف عمارة يبدو أنها أكثر حظًا من كثير من المواطنين، فهي تُدر الملايين دون أن يُكلف قاطنوها أنفسهم عناء الاستعمال أو التشغيل.

هذه ليست نكتة إدارية، بل واقع تسطره وثائق وأرقام تشير إلى أن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة،

التي تتولى حقيبتها الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، تواصل منذ ماي 2023 دفع مبلغ كراء شهري يُقدّر بسبعين مليون سنتيم، لعمارة لم تُستغل حتى اليوم، بينما لا تزال الأشغال تلتهم المزيد من الأموال تحت غطاء الترميم والإصلاح.

العمارة التي استأجرتها الوزارة ظلت صامتة من حيث الفعالية، لكنها صاخبة من حيث الكلفة. منذ تاريخ توقيع عقد الكراء، أُهدرت أموال عمومية ضخمة دون تحقيق أي استفادة عملية.

بل إن المبالغ المصروفة على مدى أكثر من عام تجاوزت 1.7 مليار سنتيم فقط في الكراء، دون أن تُحتسب بعد نفقات التهيئة التي تخطت حاجز المليارين، ما يجعل التكلفة الإجمالية تتجاوز بكثير ما يمكن أن تُخصص لاقتناء عقار جاهز للاستغلال.

المفارقة أن هذه العمارة لم تفتح أبوابها بعد في وجه موظفي الوزارة، ومع ذلك فقد خُصصت لها صفقات للإصلاح والدراسة تفوق قيمتها ملياري سنتيم.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف لوزارة يفترض أنها تُشرف على إصلاح الإدارة أن تنخرط في مسلسل مالي عبثي من هذا النوع؟ هل تم ذلك بعلم الوزيرة السغروشني؟ أم أن دواليب الوزارة تدار بروح الاستمرارية غير المحاسبة؟

ما يضفي على الملف مزيدًا من الغموض هو ما يُشاع عن كون هذه العمارة محل نزاع قضائي مع إحدى الوكالات البنكية بسبب قرض سابق.

وإذا صح ذلك، فإن استمرار الوزارة في التعاقد معها يطرح علامات استفهام كبرى، ليس فقط عن غياب التحري القانوني، بل أيضًا عن الاستهتار بالأموال العمومية في مؤسسة يفترض بها أن تكون نموذجًا في الحكامة الرقمية والمالية.

المثير في هذه القضية ليس فقط الأرقام الفلكية، بل الصمت الذي يحيط بها من طرف الوزارة. لا بلاغ يوضح، لا تصريح يشرح، وكأن الأمر يتعلق بنقطة في الهامش لا تستحق الانتباه.

في الوقت الذي تُشهر فيه الوزيرة شعارات التحول الرقمي والتدبير الشفاف، يبدو أن عمارة الأشباح هذه تفضح واقعًا مختلفًا تمامًا خلف الواجهة.

هل اطلعت الوزيرة على تفاصيل هذا الملف؟

وإن كانت على علم، لماذا لم يُفتح تحقيق داخلي على الأقل؟ وإن لم تكن تدري، أليس ذلك تقصيرًا في حد ذاته؟

ومتى سيتوقف هذا النزيف المالي الذي يتناقض مع الخطابات الحكومية حول ترشيد النفقات؟

المشهد باختصار يبدو وكأنه فيلم إداري سيء الإخراج، حيث تُسند الأدوار لوجوه تعرف جيدًا من أين تُؤكل الكعكة، فيما يُترك دافعو الضرائب لمتابعة المشهد في صمت. لكن الصمت لم يعد مجديًا، والخطب لم تعد تقنع أحدًا.

فالمطلوب اليوم محاسبة لا تتوقف عند حدود العمارة، بل تطال كل من سمح لهذا العبث أن يستمر في وضح النهار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى