نزار بركة يكتشف: المليارات تضيع بين الصفقة والطعن
في لحظة نادرة من الصراحة الحكومية، خرج نزار بركة ليخبر المغاربة بما يعرفونه جيدًا: الاستثمارات الكبرى في المغرب تُدار وسط “واقع قاتم”. اعتراف لا يحتاج إلى لجان تقصّي ولا تقارير سرية، لأن المشاريع المتعثرة، والطرق التي لا تكتمل، والأوراش التي تتحول إلى أطلال إسمنتية، كانت دائمًا أبلغ من أي تصريح.
وزير التجهيز والماء لم يتحدث عن نقص الأموال، فالمليارات، كما أكد، مُعبّأة وجاهزة. المشكلة، كما يبدو، ليست في الخزينة، بل في الطريق التي تسلكها هذه الأموال. طريق مليئة بالمنعرجات القانونية، والحفر الإدارية، وصفقات عمومية تُوقَّع بثقة… ثم تُدفن في رفوف المحاكم. صفقة لا تصل إلى القاضي، في هذا السياق، تُعد استثناءً يستحق الاحتفال.
بركة وصف الصفقة العمومية لا كأداة إنفاق، بل كمصدر أزمات. توصيف دقيق، وإن جاء متأخرًا. فالصفقة، التي يفترض أن تكون بداية المشروع، تتحول في كثير من الأحيان إلى بداية النزاع، ثم إلى مسلسل قضائي طويل، تنتهي حلقاته دون نهاية واضحة، فيما المشروع المعني يظل معلقًا بين “الطعن” و“الاستئناف”.
الأكثر إثارة للسخرية أن معظم هذه النزاعات، بحسب الوزير نفسه، تنطلق من أخطاء “بسيطة” في المراحل الأولى: دفتر تحملات غير دقيق، معايير إسناد ضبابية، وموضوعية تُستعمل كشعار أكثر مما تُمارس كقاعدة. أخطاء صغيرة، نعم، لكنها كافية لتعطيل مشاريع استراتيجية، وإهدار سنوات من الزمن الإداري، في بلد يُفترض أنه في سباق مع الزمن.
ورغم تعبئة استثمارات تتجاوز مليار درهم، يعترف الوزير أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرقام، بل بقدرة الإدارة على تفادي النزاعات قبل وقوعها. عبارة جميلة، لكنها تطرح سؤالًا بسيطًا: لماذا نُتقن إدارة الأزمة أكثر من منعها؟ ولماذا تتحرك الإدارة بسرعة فقط عندما يصل الملف إلى القضاء؟
بركة اعتبر اللجوء المكثف إلى المحاكم دليل فشل في التنسيق. تشخيص صائب، لكنه يفتح بابًا ساخرًا آخر: إذا كان القضاء هو الحل الافتراضي لكل خلاف إداري، فما جدوى كل تلك الهياكل، واللجان، والتوقيعات، والاجتماعات التي تسبق الصفقة؟ ولماذا تُدار العقود بمنطق “نوقّع اليوم… ونتقاضى غدًا” latest”؟
إعلان إعداد “دليل للاجتهاد القضائي” يبدو، في حد ذاته، اعترافًا إضافيًا بأن القرارات الإدارية تعاني من اختلالات. دليل لتفادي النزاعات المستقبلية، في بلد راكم تجربة طويلة في إنتاجها. خطوة إيجابية، بلا شك، لكنها لا تُخفي المفارقة: نعالج الأعطاب بتقارير، بينما الأعطاب نفسها تُنتجها منظومة لا تتغير إلا بالتصريحات.
أما مراجعة أسعار الصفقات، فهي دعوة واقعية في ظل تقلبات السوق وسلاسل التوريد، لكنها تأتي متأخرة بالنسبة لمقاولات صغرى ومتوسطة أنهكها الانتظار، ودفعت ثمن صفقات لم تُنفَّذ، أو نُفِّذت بنصف روح ونصف ميزانية.
في النهاية، يبدو أن الرسالة غير المعلنة في خطاب الوزير واضحة: المال موجود، النوايا مُعلنة، لكن المنظومة تُقاوم الإصلاح بصمت. والنتيجة مشاريع تُعلَّق، قضاء يُرهَق، وإدارة تكتشف كل مرة أن العقد لا ينتهي عند التوقيع… بل يبدأ عند أول طعن. سخرية سياسية كاملة الأركان، لكن بثمن اقتصادي حقيقي.
