
موجة غلاء تضرب أسواق الخضر بالمغرب: بين ضغط الصادرات وكلفة النقل
موجة غلاء تضرب أسواق الخضر بالمغرب: بين ضغط الصادرات وكلفة النقل
تشهد أسواق بيع الخضر والفواكه في عدد من المدن المغربية منذ أيام موجة غلاء مفاجئة أربكت ميزانيات الأسر وضيّقت على القدرة الشرائية للمواطنين.
فقد قفزت أسعار سلة أساسية من المنتجات إلى مستويات غير مألوفة: الطماطم عند 10 دراهم للكيلوغرام، والبطاطس 8 دراهم، والقرع 15 درهما، والجزر 7 دراهم، والماندرين 8 دراهم، والرمان 9 دراهم، والباذنجان 6 دراهم، فيما سجل البصل مستويات وُصفت بالقياسية، إضافة إلى الفلفل الذي بلغ 7 دراهم.
هذا الارتفاع المتزامن في أكثر من صنف حوّل اقتناء الخضر اليومية إلى تحدٍّ حقيقي لعدد واسع من الأسر، لا سيما ذوي الدخل المحدود الذين يوازنون بين ضرورات المعيشة وتقلبات الأسعار. وفي جولة بين الباعة، تتعدد القراءات وتتقاطع التفسيرات، لكن الجميع يتفق على أن السوق يعيش لحظة ضغط واضحة.
جزء معتبر من المهنيين يُرجع ما يجري إلى ارتفاع الصادرات نحو الاتحاد الأوروبي، حيث يشتد الطلب الموسمي على المنتجات المغربية المعروفة بجودتها وتنافسيتها.
ويؤكد هؤلاء أن الزيادة في الشحنات الموجهة للخارج تقلّص المعروض في السوق الوطنية، فتظهر الفجوة سريعاً في الميزان بين العرض والطلب، وتنعكس على الأسعار في القوت اليومي للمواطن.
على الضفة الأخرى، يشير باعة وتجار نقل إلى عامل لا يقل وزناً: كلفة المحروقات. فغلاء الوقود يرفع مباشرة تكاليف النقل والتبريد واللوجستيك، وهي حلقات لا ترى عادة في واجهة الأسعار لكنها تُحسب بدقة في كل صندوق يُنقل وكل كيلومتر تقطعه الشاحنات من الضيعات إلى أسواق الجملة ثم إلى التجزئة.
ومع أي زيادة في هذه التكاليف، تتسع الفجوة بين السعر عند المصدر والسعر النهائي لدى المستهلك.
وفي خلفية هذا المشهد، سُجّلت هذا الموسم أرقام مهمة لصادرات المغرب من الطماطم والقرع وأصناف أخرى من الخضر نحو الأسواق الأوروبية. ورغم أن هذا الأداء التصديري يحمل مكاسب اقتصادية واضحة للبلاد والمنتجين، فإنه يثير في المقابل قلقاً مشروعاً بشأن الأثر على الكميات المتاحة محلياً ومستويات الأسعار داخل السوق الوطنية.
السؤال الذي يفرض نفسه إذن: هل تمثل الصادرات العامل الحاسم في موجة الغلاء الراهنة، أم أننا أمام تضافر لعوامل متعددة تتقدمها كلفة النقل واللوجستيك، وتقلبات الطلب الموسمي، وربما اختناقات في سلاسل التزويد؟
ما يبدو واضحاً أن الظاهرة مركّبة، وأن أي قراءة أحادية ستفوّت جوانب أساسية من الصورة.
في قلب هذه المعادلة، يقف المستهلك باحثاً عن سعر عادل وجودة مقبولة، فيما يحتاج السوق إلى توازن دقيق بين الالتزامات التصديرية ومتطلبات الأمن الغذائي واستقرار الأسعار داخلياً. ويؤكد مهنيون أن تخفيف الضغط يمر عبر إجراءات عملية مثل تحسين انسيابية التزويد بين أسواق الجملة والتجزئة، وترشيد كلفة النقل، وتعزيز الشفافية في تتبع الأسعار وهوامش الربح عبر حلقات السلسلة.
حتى ذلك الحين، ستبقى أعين الأسر معلّقة على لوحات الأسعار كل صباح، في انتظار انفراج يعيد للخضر موقعها الطبيعي في المائدة المغربية، بعيداً عن قفزات مفاجئة تُربك حسابات اليوميات وتُثقِل كاهل القدرة الشرائية.
وبين رهان التصدير ومتطلبات السوق المحلي، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة متوازنة تضمن الفوز على الجبهتين: تنافسية خارجية لا تُضعف الوفرة الداخلية، وسوق وطنية عادلة لا تُثقلها كلفة الوصول من الحقل إلى السلة.






