مستشفى الرازي بسلا … نموذج يستحق التنويه والتعميم

مستشفى الرازي بسلا … نموذج يستحق التنويه والتعميم

منذ عقود طويلة واسم مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية بسلا حاضر بقوة في خريطة الصحة بالمغرب. لم يكن مجرد بناية تُستقبل فيها الحالات بل صار عنوانًا للتميز والمرجعية في علاج الفئات التي غالبًا ما يتم تهميشها أو النظر إليها بنظرة ناقصة. الحديث هنا عن المرضى النفسيين وضحايا الإدمان وكل من وجد نفسه في مواجهة اضطرابات عقلية قد تغيّر حياته بالكامل

رغم قلة الأسرة وموارد محدودة في بعض الأحيان، استطاع هذا المستشفى أن يفرض نفسه ليس فقط داخل سلا بل على الصعيد الوطني والجهوي. أي شخص يزور المكان يدرك بسرعة أن وراء الجدران البيضاء قصصًا إنسانية كبيرة، وأطقمًا طبية تشتغل بروح عالية تجمع بين الحرفية والرحمة. المرضى أنفسهم أو ذووهم يتحدثون بإعجاب عن الخدمات، وعن المعاملة التي لا تفرّق بين غني وفقير، عن أطباء وممرضين لا يكتفون بالدواء بل يقدمون دفء إنساني يحتاجه أي مريض

ومع كل هذا التراكم، جاء التغيير في الإدارة ليضيف صفحة جديدة من الحكاية. اليوم يقود المستشفى البروفسور عبد الرزاق وناس، الذي لم يأت من فراغ. الرجل كان نائبًا للمدير لسنوات وكان الذراع الأيمن للبروفيسور جلال التوفيق. خبر تفاصيل التسيير عن قرب وعاش يوميات المستشفى من الداخل، ما جعله الأقدر على مواصلة المسار بل والدفع به نحو مستويات أرقى. العاملون بالمرفق يصفونه بالكفء والقريب من الجميع، والمرضى يرون فيه ضمانة للاستمرارية والجدية

لكن القصة لا تقف هنا. فالتجربة المشرقة للرازي تطرح سؤالًا أكبر: لماذا لا تتكرر هذه التجربة في مدن أخرى؟ لماذا يبقى مستشفى واحد تقريبًا نموذجًا فريدًا بينما الحاجة لمؤسسات مماثلة في تزايد مستمر؟ الأمر ليس مجرد بناء جدران أو تجهيز غرف بل يتعلق أساسًا بتكوين أطر قادرة على إدارة مثل هذه المرافق بروح مهنية وإنسانية. فالتحدي الحقيقي اليوم أن نوسع التجربة، أن يكون في كل مدينة كبرى على الأقل مستشفى مماثل، حتى لا يظل المرض النفسي وصمة ولا يظل المريض مضطرًا للتنقل لمسافات بعيدة بحثًا عن العلاج

المثير في تجربة الرازي أن نجاحه لم يصنعه الحظ، بل تراكم جهود أطباء وإداريين وممرضين ومساعدين، كلهم وضعوا بصمتهم على هذا المركز. واليوم، مع القيادة الجديدة للبروفيسور وناس، يبدو أن الطريق مفتوح لمزيد من الارتقاء، ولتعزيز مكانة المستشفى كمرجع وطني.

إنه ليس مجرد مستشفى، بل مدرسة في الطب النفسي، في إدارة الموارد المحدودة بكفاءة، وفي إثبات أن الصحة النفسية ليست ترفًا بل جزء من استقرار المجتمع.

Exit mobile version