فرنسا على وقع الـ40 مليار يورو.. ميزانية 2026 بين الحسابات والسياسة

فرنسا..هل تتحول الأرقام إلى شعارات في قلب معركة التقشف؟

منذ أسابيع، لا يخلو خطاب حكومي فرنسي من عبارة باتت تتكرر كما لو كانت تعويذة سياسية: أربعون مليار يورو. هذا الرقم الضخم لم يعد مجرّد تقدير مالي، بل تحوّل إلى رمز في المعركة التي يخوضها فرانسوا بايرو وفريقه الوزاري من أجل ما يسمونه “استعادة التوازن المالي” في ميزانية 2026.

لكن خلف هذا الشعار المالي البراق، تتكثف أسئلة مؤرقة حول حقيقة هذا المبلغ، ومدى واقعيته، ومن سيدفع فاتورته في النهاية.

المبلغ الضخم الذي قسم الرأي العام

النقاش بدأ في ربيع هذا العام، تحديدًا في الثالث عشر من أبريل. يومها خرج وزير الاقتصاد الفرنسي إيريك لومبارد في حوار إعلامي معلنًا أن الحكومة ستحتاج إلى جهد إضافي بقيمة أربعين مليار يورو إذا كانت تريد خفض العجز العمومي إلى مستوى أربعة فاصل ستة بالمئة من الناتج الداخلي الخام بحلول 2026.

الرقم بدا حينها كصفعة في وجه الطبقة السياسية والرأي العام، لكنه كان كافيًا لتوجيه البوصلة نحو خطاب يقوم على التقشف وضبط الإنفاق العام.

أرقام كثيرة ونقاشات أكثر

المثير أن هذا الرقم، رغم ضخامته، لم يأت مدعومًا بتفاصيل دقيقة أو دراسة منشورة، بل تم تقديمه كإطار عام، ما دفع العديد من خبراء المالية العامة إلى التشكيك في دقته، والتساؤل عما إذا كان مجرد أداة لتبرير سياسة تقشفية مسبقة الإعداد.

فالرقم نفسه لم يصدر عن مؤسسة مستقلة، بل انطلق من تقدير داخلي للحكومة وتم الترويج له على نطاق واسع، حتى أصبح بمثابة الحقيقة التي لا تُناقش.

ما بين الاقتصاد والسياسة.. الشعارات تسبق التفاصيل

بعيدًا عن التقنية المالية، يبدو أن هذا الرقم يخدم أهدافًا سياسية واضحة. فهو يعزز صورة الحكومة كسلطة حازمة في مواجهة أزمة العجز، كما يمنحها مبررًا لتقليص النفقات وربما زيادة بعض الضرائب دون إثارة احتجاجات شعبية عارمة.

غير أن هذا الخيار يبقى محفوفًا بالمخاطر، خاصة إذا لم يُرافق بإصلاحات عادلة وشاملة تضمن توزيع الأعباء بشكل متوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية.

الميزانية المنتظرة.. اختبار سياسي حقيقي

كل الأنظار تتجه الآن إلى الخامس عشر من يوليوز، وهو الموعد الذي حدده رئيس الوزراء الفرنسي للإعلان عن التوجهات العامة لمشروع ميزانية 2026. الكل يترقب ما إذا كانت الحكومة ستكتفي بالتخفيضات فقط، أم أنها ستسعى أيضًا إلى تحسين الإيرادات من خلال تحفيز النمو أو فرض ضرائب جديدة.

في كلتا الحالتين، ستكون تلك الميزانية بمثابة اختبار لقدرة الحكومة على الموازنة بين الحاجة إلى الإصلاح والحرص على العدالة الاجتماعية.

ما وراء المليارات.. أسئلة لا تزال معلقة

في نهاية المطاف، ما زال سؤال جوهري يفرض نفسه على هذا النقاش: هل الأربعون مليارًا ضرورة اقتصادية، أم مجرد شعار سياسي يتم تسويقه لتبرير خيارات مسبقة؟

وهل ستتمكن الحكومة من تمرير هذه الخطة دون الدخول في موجة احتجاجات جديدة كتلك التي شهدتها فرنسا في السنوات الأخيرة؟

الجواب سيتحدد في الشهور المقبلة، حين تبدأ الأرقام في النزول من أبراج الإعلام والمؤتمرات إلى تفاصيل الواقع اليومي للفرنسيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى