عندما يصمت الوزير… وتتحدث الفضيحة: قطاع الصحافة بلا ربّان

عندما يصمت الوزير… وتتحدث الفضيحة: قطاع الصحافة بلا ربّان

يبدو أن قطاع الصحافة والنشر قرّر هذه الأيام أن يقدّم موسمه الخاص من “الكوميديا السوداء”، بعدما خرجت إلى السطح تسجيلات صوتية ومقاطع فيديو نُسبت إلى أعضاء في اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير هذا المرفق الحساس. تسريبات لم يكن ينقصها سوى موسيقى تصويرية لتتحول إلى مسلسل سياسي كامل، بجرعات وافرة من الأخطاء الفادحة والإخراج السيئ.

التسجيلات، التي تابعها الرأي العام بين مصدوم ومندهش، كشفت عن تصرفات لا علاقة لها لا بالمهنية ولا بالحِكمة، بل أقرب إلى “غرفة عمليات صغيرة” مهمّتها تحديد من يستحق الدعم، ومن يجب أن يُقصى، ومن سيتم تدوير اسمه على نار هادئة. هكذا، بكل بساطة، يصبح الدعم العمومي سلاحاً، والمهنية ورقة يتم رميها في اللحظة المناسبة.

الأكثر إثارة في هذه القصة أن بعض المتحدثين داخل التسجيل بدوا وكأنهم يملكون القدرة على التأثير في القضاء، وكأن رئاسة النيابة العامة مجرد مكتب جانبي يمكن طرق بابه لتصفية خلافات مهنية. مشاهد تُذكّرنا بأفلام سياسية قديمة تُقال فيها الجملة الشهيرة: “رتّبوا الأمر في الداخل… والباقي سيتم حلّه”.

ثم جاءت العبارات المهينة في حق هيئة الدفاع لتضيف طبقة جديدة من الفوضى الأخلاقية، إذ بدا وكأن بعض المسؤولين داخل اللجنة يتحدثون عن المحامين وكأنهم خصوم في مباراة حامية وليسوا جزءاً من منظومة العدالة التي تحمي الدولة قبل أن تحمي الأفراد.

وفي وسط هذا الزخم، يجد الوزير محمد مهدي بنسعيد نفسه في وضع لا يُحسد عليه: الجمهور يسأل، البرلمان يضغط، والمؤسسات المعنية تلتزم بصمت يشبه “وضع الطائرة على وضعية الصعود الآلي”. فهل الصمت جزء من الاستراتيجية؟ أم أنه مجرد انتظار لمرور العاصفة على أمل أن ينساها الناس كما نسوا غيرها؟

القطاع اليوم ليس في حاجة إلى تبريرات أو خطب ناعمة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى موقف واضح: هل ستتم مساءلة أعضاء اللجنة المؤقتة؟ هل سيُفتح تحقيق حقيقي لا يُغلق بعبارة “تم اتخاذ الإجراءات اللازمة”؟ أم أن الملف سيدخل بدوره إلى أرشيف القضايا التي تُناقش ليوم أو يومين ثم تختفي دون أثر؟

ما يعرفه الجميع أن الصحافة المستقلة تعيش أصلاً مرحلة صعبة، وأن أي تجاوز أو شبهة ظلم تزيد المشهد هشاشة، وتفتح الباب أمام من يعتقدون أن المرفق العمومي يمكن أن يدار بعقلية “اختيار ما يناسبنا وإبعاد ما يزعجنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى