عبد الهادي بلخياط… رحيل الصوت الذي فضح زمن الضجيج

عبد الهادي بلخياط… رحيل الصوت الذي فضح زمن الضجيج

برحيل الفنان المغربي المعتزل عبد الهادي بلخياط، لا يطوي المشهد الفني صفحة اسم كبير فحسب، بل يُسدل الستار على مرحلة كاملة كان فيها الطرب قيمة، لا سلعة، والاختيار الأخلاقي موقفًا لا يُسفه ولا يُؤوَّل بسوء نية. فقد غادر اليوم صوتٌ شكّل جزءًا من الذاكرة السمعية للمغاربة، وترك خلفه سؤالًا مؤرقًا أكثر من خبر الوفاة نفسه: ماذا فعلنا بإرثنا الفني الحقيقي؟

تميّز بلخياط بتفرّده في أداء الطرب الأصيل، صوتًا وأسلوبًا وحضورًا، في زمن كانت فيه الأغنية تُبنى على المعنى قبل الإيقاع، وعلى الإحساس قبل التسويق. لم يكن نجمًا عابرًا، بل علامة فارقة في مسار الأغنية المغربية، ممن أسهموا في تثبيت هوية فنية واضحة، لا تستعير شرعيتها من الخارج ولا تركض خلف الموضة.

لكن اللحظة المفصلية في مساره لم تكن أغنية ناجحة أو حفلاً كبيرًا، بل قراره الاعتزال والتفرغ لعبادة الله. قرارٌ أربك الوسط الفني حينها، وكشف هشاشة تعامله مع الفنان ككائن حرّ، لا كآلة إنتاج. فبدل قراءة الاعتزال كاختيار شخصي عميق، جرى التعامل معه كخروج غير مفهوم عن “القافلة”، وكأن الاستمرار في الأضواء صار واجبًا لا حقًا.

اليوم، ومع رحيله، يتجدد الاعتراف، وتتكاثر عبارات الرثاء، لكن النقد الحقيقي يفرض نفسه: هل أنصفنا عبد الهادي بلخياط في حياته كما نفعل الآن في موته؟ وهل حُفظ إرثه الفني بما يليق بقيمته، أم تُرك في الهامش، لصالح موجات فنية سريعة الاستهلاك، عالية الضجيج، قليلة الأثر؟

إن خسارة بلخياط ليست فنية فقط، بل رمزية. فهي تذكير مؤلم بأن الفن الأصيل غالبًا ما يُهمَّش في زمن السرعة، وأن الذاكرة الجماعية باتت قصيرة النفس، لا تلتفت إلا حين يأتي الغياب ليحرجها. ومع ذلك، يبقى إرثه الموسيقي حاضرًا، عصيًا على النسيان، ومصدر إلهام لجيل يبحث—ربما متأخرًا—عن معنى الفن قبل شكله.

رحل عبد الهادي بلخياط، وبقي صوته شاهدًا على زمنٍ كان فيه الصمت موقفًا، والانسحاب شجاعة، والطرب… هوية لا تُساوَم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى