صلاح الدين عبقري.. حين يتحول الولاء إلى مفتاح المناصب العليا

صلاح الدين عبقري.. حين يتحول الولاء إلى مفتاح المناصب العليا

في بلدٍ تُرفع فيه الشعارات أكثر مما تُنفَّذ السياسات، يلمع اسم صلاح الدين عبقري كواحد من أسرع الوجوه صعودًا في هرم وزارة الثقافة، وكأن الزمن عنده يركض بخطوات غير مرئية. فمن مستشارٍ شاب في ديوان الوزير، إلى مديرٍ للشؤون الإدارية والمالية، ثم كاتبٍ عام بالنيابة، وصولًا إلى رئيسٍ لشبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، في ظرف قياسي لا يتجاوز ثلاث سنوات.


إنه صعودٌ لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى “مفتاحٍ ذهبيٍّ” اسمه الولاء، لا الكفاءة.

ومع هذا الصعود، تتكشف خيوط حكايةٍ أكبر من مجرد ترقي إداري. فالوزارة التي يترأسها محمد المهدي بنسعيد صارت تُدار كما لو أنها شركة خاصة، تُفصَّل فيها المناصب على المقاس، وتُحرَّك الكراسي وفق إيقاع الثقة الشخصية، لا عبر معايير الاستحقاق.


فبعد أن جرى إبعاد سميرة المليزي من منصب الكاتبة العامة بالنيابة بطريقة “ناعمة” ومُهندَسة بعناية، فُتح الباب على مصراعيه أمام عبقري، صديق الوزير القديم، ليصبح الاسم المفضل لكل التعيينات الحساسة.

ومع إعلان فتح باب الترشيحات للكاتب العام الرسمي، بدا واضحًا أن النتيجة معروفة سلفًا. فالشروط “الموضوعية” التي وُضعت تكاد تُطابق سيرته الذاتية حرفًا بحرف، وكأن المناصب الإدارية تحولت إلى بدلاتٍ تُخاط حسب مقاس المقرّبين.
أما الحديث عن “تشبيب الإدارة” الذي يردده حزب الأصالة والمعاصرة، فهو مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، تُغلف به قراراتٍ تميل إلى تشبيب الولاءات بدل تشبيب الكفاءات.

ولا يتوقف الأمر عند الوزارة. فداخل شبيبة الحزب نفسها، يظهر عبقري كوجهٍ مفضلٍ لتيار بنسعيد، الذي يسعى إلى إحكام قبضته على التنظيم الشبابي.


ما حدث في مؤتمر بوزنيقة الأخير كان أشبه بـ”تمرينٍ على الولاء”، لا لقاءً ديمقراطيًا. الأصوات المعارضة من تيار مراكش وتيار الصحراء تتحدث بصوتٍ خافت عن احتكارٍ ممنهج، وعن نهاية زمن المنافسة، وبداية عصر “الشبيبة الموجهة” التي لا تعارض، بل تصفق.

وبينما تتوالى الأزمات داخل الحزب، يزداد المشهد وضوحًا: نفس الوجوه، نفس الخطاب، نفس الأسلوب في توزيع المناصب وكأنها غنائم بعد معركة انتخابية.


فهل هكذا يُصنع القادة الجدد؟ أم أن الحزب الذي وُلد على وعد “التجديد” صار يشيخ في حضن المحسوبية؟

في النهاية، يبقى صعود صلاح الدين عبقري أكثر من مجرد قصة نجاح إداري، إنه مرآة لمرحلة سياسية تتقاطع فيها المصالح الشخصية مع السلطة الحزبية، حيث تتحول الوزارة إلى “منصة للتمكين”، والحزب إلى “ممرٍّ آمن” نحو المناصب العليا.


وهكذا، بدل أن تُبنى الدولة بالكفاءات، تُبنى بالصداقات… وبدل أن يتنافس الشباب على العطاء، يتنافسون على القرب من الوزير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى