«سير الموسّخ لولدك»… جملة عابرة أم شهادة وفاة للأخلاق السياسية في البرلمان؟
في مشهد جديد يثبت أن السياسة في المغرب قادرة دائمًا على منافسة أقوى الأعمال الدرامية، تحوّل البرلمان، مطلع الأسبوع، إلى ما يشبه منصة مفتوحة لـ«الارتجال السياسي»، كان نجمها هذه المرة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في مواجهة لم تَخْلُ من النكهة مع النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية عبد الصمد حيكر.
القصة بدأت بجلسة مساءلة شهرية عادية، يُفترض فيها أن يتحدث المسؤولون بلغة القانون والدستور، قبل أن يقرر بعضهم – بقدرة قادر – استبدال النصوص التشريعية بقاموس «الشارع».
النقاش احتدم بين وهبي وعدد من نواب العدالة والتنمية، إلى أن انتهى المشهد بطرد النائب حيكر من طرف رئيس الجلسة، وتعليق أعمال المجلس، في خطوة بدت وكأنها استراحة فنية بين فصلين من مسرحية لا أحد يعرف نهايتها.
انتقل رؤساء الفرق إلى قاعة جانبية لنزع فتيل التوتر، غير أن القاعة التي كان منتظرًا أن تكون فضاءً للحكمة تحوّلت بدورها إلى ساحة أخرى للتصعيد. النائب حيكر، وهو يحاول التعبير عن احتجاجه على أسلوب الوزير، قال له: «يجب توقيف هذه البسالة».
عبارة سياسية غاضبة، لكنها تظل في إطار المعقول. غير أن رد وزير العدل، حارس «الهيبة اللغوية» و«حامي الكرامة القضائية»، كان أكثر إبداعًا: «سير الموسّخ لولدك».
هكذا، وبجملة واحدة، انتقل النقاش من مساءلة حكومية إلى حلقة حرة في فن «السب السياسي»، مع لمسة عائلية حميمية لا علاقة لها لا بالقانون ولا بالمؤسسات. والأجمل من ذلك أن هذا الحوار الرفيع تم، بحسب مصادر برلمانية، أمام عدد من النواب الذين تحوّلوا إلى شهود عيان في واقعة قد تدرّس لاحقًا في دروس «ما لا يجب أن يقال حين تكون وزيرًا للعدل».
بعد هذه اللقطة «التاريخية»، تذكّر وهبي على ما يبدو أنه ليس في نقاش عابر بمقهى، فحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه. خرج الجميع من القاعة، وتقدّم الوزير نحو النائب حيكر أمام وزير الداخلية وبعض البرلمانيين، وقدم اعتذاره وتصافحا في مشهد تصالحي مهذّب، يصلح بدوره أن يكون لقطة ختامية في مسلسل تلفزيوني قصير. إلا أن ما قيل، على ما يبدو، لم يُنسَ بمجرد مصافحة، فحسب مقربين من حيكر، فإن النائب تأثر بشكل كبير بسبب سبّ والده، معتبرًا أن ما حدث تجاوز الخلاف السياسي إلى إهانة شخصية تمس الأسرة والكرامة.
لكن الحدث لم يبق حبيس الكواليس. مواقع التواصل الاجتماعي اشتعلت، وقيادات وأعضاء حزب العدالة والتنمية أمسكوا أقلامهم الافتراضية، ووجّهوا نيران انتقاداتهم نحو وزير العدل، متهمين إياه باستعمال عبارة حاطة بالكرامة لا تليق لا بوزير ولا بنائب عادي، فكيف إذا كان المعني هو المسؤول عن قطاع العدالة برمّته.
عبد العالي حامي الدين، أحد أبرز وجوه الحزب، خرج بتدوينة دعا فيها صراحة إلى استقالة عبد اللطيف وهبي، وكأن لسان حاله يقول: «من لم يستطع أن يضبط لسانه، فكيف نأتمنه على ضبط منظومة العدالة؟». آخرون من قيادات الحزب ساروا في الاتجاه نفسه، معتبرين أن الاعتذار لا يكفي، وأن المشكل لم يعد شخصيًا بين وزير ونائب، بل تحول إلى قضية احترام للمؤسسات وصورة العمل السياسي برمّته.
أمام هذا السيل من الانتقادات، حاول وهبي إطفاء الحريق مجددًا خلال جلسة تشريعية لاحقة. استغل الكلمة ليعبّر عن أسفه لما وقع في جلسة الاثنين، وأشاد بتدخل عبد الله بوانو للصلح، مؤكّدًا أنه يندم على ما صدر عنه. غير أن الأسف المتأخر، في نظر كثيرين، يشبه وضع «لاصقة طبية» على كسر عميق: قد تخفّف الشكل، لكنها لا تعالج العمق.
المفارقة الكبرى أن بطل هذه الواقعة ليس أي وزير، بل وزير العدل، الذي يُفترض به أن يكون النموذج في احترام الكرامة الإنسانية، وأن يحمي المواطنين من السب والقذف والإهانة، لا أن يضيف بنفسه عبارة جديدة إلى قاموس الشتائم المتداولة داخل المؤسسات. فمن باب «الطرافة السوداء» أن المواطن الذي قد يُتابَع قضائيًا إذا سبّ مسؤولًا، يجد اليوم وزير العدل نفسه متّهمًا بأنه استعمل لغة لا تليق حتى في خلافات الجيران.
القصة، في جوهرها، ليست مجرد شتم عابر ولا «فلتة لسان»، بل مرآة تعكس مستوى معينًا من التوتر في الخطاب السياسي، حيث بات بعض المسؤولين ينسون أنهم تحت قبة البرلمان لا في حلبة ملاكمة لفظية، وأن «الهيبة» لا تُبنى بالصوت المرتفع ولا بتوزيع الإهانات، بل بقدرة المسؤول على التحكم في أعصابه قبل لسانه.
وهكذا، يجد المواطن نفسه مرة أخرى أمام مشهد عبثي: أحزاب تتصارع، وزراء يعتذرون بعد أن يطلقوا الكلام على عواهنه، وبرلمان يُفترض أنه فضاء للنقاش الرصين يتحوّل بين الفينة والأخرى إلى مسرح لـ«الفرجة السياسية»، حيث يخرج الجمهور بحكاية طريفة جديدة، تضاف إلى أرشيف طويل من الضحك المبكي على حال الخطاب السياسي، وعلى عدالة يُفترض أن تُصان في النص والسلوك… لا أن تُهان بعبارة طائشة من أكبر ممثليها.
