
سلامة طرقية بلا سلامة… من يحاسب الفشل المزمن في شوارع المغرب؟
سلامة طرقية بلا سلامة… من يحاسب الفشل المزمن في شوارع المغرب؟
في المغرب، لا تحتاج إلى تقرير دولي لتدرك أن الطرقات صارت حقول ألغام. يكفي أن تنظر إلى الأرقام: ارتفاع مهول في حوادث السير، ونسبة وفيات بلغت 11 في المائة خلال 25 شهرًا فقط. حصيلة تُوصَف بلا تردد بأنها الأسوأ في تاريخ السلامة الطرقية بالمملكة. ورغم ذلك، لا شيء يهتز في الكراسي، ولا أحد يسأل: من المسؤول؟
منذ سنوات، أُسند ملف السلامة الطرقية إلى الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، بوصفها “العقل التقني” القادر على إنقاذ الأرواح. النتيجة؟ تدهور مستمر، ومنحنى وفيات يصعد بثبات، كأنه لا يعترف لا بالاستراتيجيات ولا بالعناوين البراقة. الوكالة تشتغل، نعم، لكن الأرقام تعمل ضدها.
الأكثر إثارة للدهشة أن مدير الوكالة، ناصر بولعجول، ما زال في منصبه، وكأن الفشل شهادة كفاءة، أو كأن الأرواح المهدورة مجرد هامش خطأ مقبول في دفتر التدبير. استراتيجيات تتغير، عروض تُقدَّم، منصات رقمية تُطلق، لكن الطرقات تواصل حصد الضحايا بلا رحمة.
السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط، قبل الخبير، هو: أين ذهبت ملايير الدراهم؟ كاميرات، رادارات، برامج تحسيس، تطبيقات، مؤتمرات… كل شيء حاضر، إلا النتيجة. المال يُصرف بسخاء، لكن السلامة لا تصل. وكأن الهدف هو تدبير الملف، لا حلّه.
ورغم الاعتراف الرسمي بانحدار الوضع، تخرج الوكالة بين الفينة والأخرى بخطة جديدة. خطة بلا محاسبة، وبلا مراجعة حقيقية للمسؤوليات. تغيير في العناوين، لا في الوجوه. تحديث في الخطاب، لا في الحكامة. وهنا يبرز اسم وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، الذي يُفترض أن يكون المسؤول السياسي الأول عن هذا القطاع، لكن المساءلة، على ما يبدو، تسلك طرقًا أكثر التواءً من طرقاتنا.
لا أحد يُسأل، ولا أحد يُحاسَب. كأن بعض المناصب محصّنة، لا تهتز مهما كانت الحصيلة دامية. الفشل هنا لا يُعاقَب، بل يُعاد تدويره في بلاغ جديد، أو استراتيجية جديدة، أو وعد جديد.
ما يحتاجه المغاربة ليس مزيدًا من الشعارات ولا المنصات الرقمية ولا الحملات الموسمية. ما يحتاجونه إدارة تُجيد الفعل لا العرض، ومحاسبة حقيقية لا انتقائية، وقرار شجاع يربط المسؤولية بالنتائج، لا بطول البقاء في المنصب.
لأن الاستمرار على هذا النحو يعني شيئًا واحدًا فقط: المزيد من الأرواح المفقودة، والمزيد من البيانات الصحافية، والمزيد من السخرية السوداء.
وفي بلد يُفترض أن السلامة الطرقية فيه أولوية وطنية، يبقى السؤال معلقًا في الهواء… أو على قارعة الطريق: متى يصبح الفشل سببًا للمغادرة، لا مبررًا للاستمرار؟





