
دعم الصحافة والسينما يحرج الحكومة وأسئلة المال العام تعود للواجهة
دعم الصحافة والسينما يحرج الحكومة وأسئلة المال العام تعود للواجهة
في خطوة تبدو وكأنها محاولة لفتح نافذة صغيرة في جدار الصمت السميك، وجّه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية سؤالًا كتابيًا إلى رئيس الحكومة بخصوص طريقة تدبير الدعم العمومي الموجَّه لقطاعي الصحافة والإنتاج السينمائي. سؤال في الشكل، لكنه في المضمون أشبه بتقرير اتهامي ساخر، يضع الحكامة والشفافية تحت مجهر لا يرحم، ويترك الحكومة وحيدة أمام أسئلة المال العام… بلا مؤثرات بصرية.
فالدعم، كما يُدبَّر اليوم، يبدو وكأنه برنامج ترفيهي طويل بلا فواصل إعلانية ولا معايير واضحة. فلا أحد يعرف بدقة كيف تُختار المقاولات الصحفية المستفيدة، ولا لماذا تحجز بعض المنصات الرقمية مقاعد الصف الأمامي في كل دورة دعم، رغم تخصصها في محتوى خفيف الوزن، سريع الاستهلاك، وفقير القيمة المهنية، لكنه غني بالحضور على لوائح المستفيدين.
الأمين العام لم يُخفِ دهشته من مشهد إعلامي يُموَّل من المال العام، ثم يُنتج محتوى أقرب إلى “الفرجة المجانية” منه إلى خدمة الصالح العام. فبدل تشجيع الصحافة الجادة، يبدو أن الدعم العمومي صار مكافأة على التفاهة الرقمية، حيث تُموَّل منصات اشتهرت بإفراغ الخبر من مضمونه، وتحويل النقاش العمومي إلى عرض يومي بلا سقف أخلاقي.
ولأن السخرية لا تكتمل دون المرور عبر الشاشة الكبيرة، انتقل السؤال البرلماني إلى قطاع الإنتاج السينمائي، حيث تتكرر الحبكة نفسها، لكن بميزانيات أكبر. أعمال سينمائية ضعيفة فنيًا، محدودة الإشعاع، بلا جمهور ولا أثر ثقافي، تستمر في الاستفادة من الدعم، وكأن المعيار الوحيد المعتمد هو القدرة على ملء استمارة، لا على إقناع جمهور أو تمثيل صورة ثقافية محترمة.
السؤال الذي طُرح هنا ليس فنيًا بقدر ما هو سياسي: كيف تُنتقى هذه الأعمال؟ ومن يقرر أنها تستحق المال العام؟ وهل أصبح الدعم العمومي في السينما نوعًا من “الرعاية الاجتماعية للأفلام الفاشلة”؟
الأخطر في هذا المشهد، كما يلمّح السؤال الكتابي، هو الغياب شبه التام لآليات المراقبة والتقييم والمحاسبة. فالدعم يُصرف، والنتائج لا تُقاس، والمستفيدون يتكررون، بينما مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يكتفي بدور المتفرج، يصفّق مرة، ويصمت مرات.
ولأن المسرحية لا تكتمل دون كشف الكواليس، طالب الأمين العام بالكشف عن لوائح المستفيدين، وتحديد المبالغ المصروفة، وشرح الأسس القانونية والمعايير المعتمدة في منح الدعم. مطلب بسيط في دولة تحترم المال العام، لكنه يبدو ثوريًا حين يتعلق الأمر بملف اعتاد الغموض أكثر مما اعتاد الشفافية.
في النهاية، يجد رئيس الحكومة نفسه أمام سؤال لا يحتاج إلى جواب بلاغي، ولا إلى لغة خشبية جديدة، بل إلى أرقام، ولوائح، ومعايير واضحة. فالدعم العمومي ليس صدقة سياسية، ولا جائزة ترضية، بل أداة لبناء إعلام جاد وثقافة ذات معنى. وما لم يُضبط هذا الدعم بقواعد شفافة، سيظل المال العام يُموّل الضجيج… ويترك القيمة في قاعة الانتظار.






