حين يهدد ترامب… تختفي بيانات الجزائر
في لحظة إقليمية مشتعلة، اختارت الجزائر أن تُتقن فنًّا دبلوماسيًا جديدًا: الصمت العميق. فبينما تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتتطاير تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول “الضربة الأسوأ” إذا تأخر التفاوض النووي، آثرت الجزائر أن تلوذ بالصمت، وكأن الأزمة تدور في كوكب آخر، لا في منطقة اعتادت الجزائر تقديم نفسها فيها كصوت “الممانعة” و”التحرر”.
اللافت أن هذا الصمت لم يأتِ من فراغ، بل تزامن بدقة مع تحذيرات أمريكية صريحة للدول التي تُبقي خيوط التواصل مع طهران. فجأة، تراجعت حرارة الخطاب الجزائري، وغابت بيانات التضامن، وتوارى الحديث عن “الدعم المبدئي” و”التحالفات التاريخية”. إيران، التي كانت بالأمس القريب “صديقة في الخندق نفسه”، صارت اليوم ملفًا مؤجلًا… أو منسيًا عمدًا.
ولأن التجارب تُعلّم، يبدو أن الجزائر قرأت جيدًا درس جنوب إفريقيا، حيث تم استبعاد إيران من مناورات بحرية لتفادي غضب واشنطن. الرسالة وصلت بوضوح: الاقتراب من طهران قد تكون كلفته أعلى من قدرة بعض العواصم على التحمل. وهنا، اختارت الجزائر ما تراه الخيار الأقل تكلفة: لا موقف، لا بيان، لا حتى جملة عابرة.
هذا التحول يطرح سؤالًا محرجًا: أين اختفى الموقف “المبدئي” الذي طالما رُفع في وجه القوى الكبرى؟ الجزائر، التي اعتادت لعقود الاصطفاف مع إيران في معظم القضايا الإقليمية والدولية، بدت اليوم وكأنها تُراجع قاموسها السياسي، وتستبدل لغة الشعارات بلغة الحسابات الدقيقة. فالدبلوماسية، كما يبدو، تصبح واقعية جدًا حين تقترب حاملات الطائرات الأمريكية من الخليج.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان موقف الجزائر من أزمة فنزويلا، حيث اختارت الحياد الصامت بدل الاصطفاف الصاخب. نفس الوصفة، نفس الصمت، ونفس الحرص على عدم إغضاب واشنطن. الفرق الوحيد أن الخطاب الرسمي لا يقول ذلك صراحة، بل يكتفي بالغياب، وكأن الغياب نفسه موقف سياسي.
في العمق، يعكس هذا السلوك تحولًا أعمق في السياسة الخارجية الجزائرية: تقليص كلفة الشعارات، وتخفيف عبء التحالفات الإيديولوجية، والبحث عن موقع آمن بعيدًا عن المواجهات الخاسرة. فحين تُصبح الضغوط الأمريكية مباشرة، وحين تُلوّح واشنطن بالقوة، تتراجع “الثوابت” خطوة إلى الخلف، ويتقدم الصمت إلى الواجهة.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التقارير عن اقتراب حاملة طائرات أمريكية من إيران، وتزداد احتمالات الانفجار العسكري، تفضّل الجزائر مراقبة المشهد من بعيد، دون تعليق، دون انحياز، ودون حتى محاولة لعب دور الوسيط. سياسة يمكن تلخيصها بجملة واحدة: لسنا هنا… ولا نريد أن نُرى.
هكذا، تكتشف الجزائر فجأة أن الصمت قد يكون أبلغ من كل الخطب، وأن الواقعية السياسية، حين تشتد العواصف، تُصبح أكثر إقناعًا من شعارات لا تصمد أمام أول إنذار أمريكي.
