حين يصبح الحجر أداة دبلوماسية… قراءة ساخرة في تحركات الجيش الجزائري

حين يصبح الحجر أداة دبلوماسية… قراءة ساخرة في تحركات الجيش الجزائري

في منطقة إيش الحدودية، بدا المشهد وكأنه تمرين عسكري في فن الاستفزاز منخفض الكلفة. عناصر من الجيش الجزائري شرعت في تسييج الحدود المغربية-الجزائرية بعلامات حجرية، في خطوة توحي بأن الخرائط لم تعد تُقرأ في المكاتب، بل تُنحت على الأرض بالحجر، وبمزاج ميداني متقلب. الجيش المغربي راقب الوضع عن كثب، لأن أي حجر في الحدود ليس مجرد حجر، بل رسالة سياسية مكتوبة بلهجة عسكرية.

الاستعراض لم يتوقف عند التسييج. أعلام حجرية وُضعت قرب بساتين المنطقة، وكأن الفلاحين استيقظوا ليجدوا أراضيهم وقد تحولت إلى هامش نزاع صامت. السكان، المرتبطون تاريخيًا واجتماعيًا بجيرانهم في الجهة الأخرى، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مشهد غير مطمئن: علامات حدودية غير مألوفة، ورصاص يُطلق في السماء، ورسائل لا تحمل توقيعًا رسميًا ولا تفسيرًا واضحًا.

الرد المغربي جاء، كعادته، أقل ضجيجًا وأكثر انضباطًا. القوات المسلحة الملكية المغربية حضرت لتأمين الوضع وطمأنة السكان، ثم انسحبت بعد أن أدّت واجبها دون تحويل الحدود إلى منصة استعراض. هنا يظهر الفرق بين من يعتبر الحدود مجال حماية، ومن يتعامل معها كمساحة اختبار للأعصاب.

الحدث لم يقع في فراغ. فهو يأتي بعد أيام فقط من مقتل ثلاثة مغاربة برصاص الجيش الجزائري في واقعة وُضعت تحت عنوان “التهريب”، لكنها خلّفت موجة استنكار واسعة وأسئلة أكبر من الرواية الجاهزة. ومع ذلك، لا توضيحات رسمية من الجزائر، ولا شرح مقنع لتسييج إيش. الصمت، في مثل هذه الحالات، لا يهدّئ، بل يفتح الباب أمام كل السيناريوهات.

ولأن الذاكرة الحدودية لا تنسى، فهذه ليست المرة الأولى التي تعرف فيها المنطقة تدخلات مشابهة. نمط يتكرر: اقتراب دون إعلان، ضغط دون بيان، ورسائل تُرسل بالحجر بدل القنوات الدبلوماسية. كل ذلك في سياق سياسي متوتر أصلًا، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق المجال الجوي، ما يجعل أي حركة ميدانية قابلة للاشتعال، ولو كانت بحجر.

السخرية هنا أن الحدود، مهما اشتد التوتر، لا تُدار بالعلامات البدائية ولا بالرصاص التحذيري. الجغرافيا لا تتغير بالحجارة، والسياسة لا تُدار بالضجيج العسكري. وما يحتاجه الجوار اليوم ليس مزيدًا من الاستفزاز، بل قدرًا من العقل السياسي الذي يدرك أن اللعب على حافة الحدود لا ينتج إلا قلقًا… لا نصرًا.

Exit mobile version