
حين تنتظر الكارثة توقيع الساعة: منطق الحكومة في مواجهة السيول
حين تنتظر الكارثة توقيع الساعة: منطق الحكومة في مواجهة السيول
يبدو أن الكوارث الطبيعية في المغرب مطالبة، قبل أن تُغرق القرى وتُسقط البيوت وتحصد الأرواح، بأن تلتزم بدفتر تحملات إداري صارم. هذا ما يفهم، على الأقل، من التصريح الذي أطلقه البرلماني محمد أوزين، والذي كشف فيه عن منطق حكومي بارد يتعامل مع المآسي الإنسانية بعين الساعة لا بعين الضمير.
بحسب هذا المنطق، لا تكفي السيول الجارفة، ولا يكفي الدمار الذي يقع في ساعات، ولا حتى صرخات الاستغاثة، لكي تُصنَّف الواقعة “كارثة”. الكارثة، في القاموس الرسمي، كائن بيروقراطي عنيد، لا يولد إلا بعد مرور زمن محدد، وكأن الموت نفسه مطالب بالانتظار واحداً وعشرين يوماً حتى تكتمل الشروط القانونية.
أوزين لم يُخفِ صدمته من هذا الشرط الزمني الغريب، متسائلاً بسخرية مرة: كيف يمكن إقناع أسرة فقدت بيتها أو أحد أفرادها بأن تنتظر ثلاثة أسابيع ليعترف لها القانون بأنها منكوبة؟ وكيف يُطلب من الضحايا التحلي بالصبر، لا أمام القضاء، بل أمام الفيضانات؟
الأخطر في هذا المنطق، كما يشير المتحدث، أنه يفرغ مفهوم التضامن من أي معنى حقيقي. فصندوق الكوارث، الذي يفترض أن يكون صمام أمان اجتماعي، يتحول عملياً إلى صندوق مغلق، لا يُفتح إلا بشروط معقدة، وكأن الغاية منه ليست التدخل العاجل، بل التبرير المؤجل.
الفيضانات، بطبيعتها، لا تنتظر البلاغات الرسمية، ولا تحترم الجداول الزمنية للإدارة. فهي تدمّر في ساعات ما تعجز الدولة عن إصلاحه في سنوات. ومع ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “الانتظار” و”المسطرة”، وكأن الماء سيتراجع احتراماً للنصوص التنظيمية.
الرسالة التي يلتقطها المواطن من هذا كله بسيطة ومحبطة في الآن نفسه: الصندوق موجود، نعم، لكنه ليس لكم. هو حاضر في التقارير، غائب في الواقع. سياسة تُجيد الاختباء خلف الفصول والقوانين، بينما تترك المتضررين يواجهون مصيرهم بوسائلهم الخاصة.
ويطرح أوزين سؤالاً جوهرياً، يبدو محرجاً أكثر مما ينبغي: ما جدوى صندوق للكوارث إذا كانت الحكومة لا تعترف بالكارثة إلا بعد فتحه؟ وهل الهدف من هذه الآلية هو حماية المواطنين أم حماية الميزانية من المواطنين؟
في النهاية، لا يدعو هذا الطرح إلى نسف القوانين، بل إلى إعادة النظر في فلسفتها. فالحماية الحقيقية لا تُقاس بالأيام، ولا تُربط بعقارب الساعة، بل تُستمد من إحساس الدولة بمسؤوليتها تجاه مواطنيها، خاصة حين يتحول المطر من نعمة إلى مأساة. أما غير ذلك، فليس سوى تضامن مؤجل… قد يصل بعد أن يجف الماء، ويبرد الغضب، وتُنسى الكارثة.





