حين تتحوّل الجالية إلى “ملف أمني”: النظام الجزائري وفضيحة اللعب خارج الحدود
يبدو أن النظام الجزائري لم يكتفِ بإدارة أزماته داخل حدوده، فاختار نقلها إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث كشف تحقيق تلفزيوني فرنسي خيوط شبكة معقّدة من التدخلات التي تستهدف فرنسا، مستخدمًا الجالية الجزائرية هناك كأداة استخباراتية متعددة الاستعمالات.
تحقيق أعاد طرح سؤال قديم بصيغة محرجة: هل نحن أمام دولة تحترم سيادة الآخرين، أم جهاز أمني يبحث عن نفَس خارجي لتعويض اختناق داخلي؟
التحقيق، الذي أثار ارتباكًا واضحًا في دوائر القرار بالجزائر، سلّط الضوء على ممارسات لا تخلو من طابع الأفلام الرديئة، حيث يتم التواصل مع مسؤولين محليين فرنسيين من أصول جزائرية، لا لبحث شؤون الاندماج أو المواطنة، بل للتذكير بـ“واجب الولاء” وضرورة الاصطفاف خلف خطاب رسمي لا يتقن سوى لغة المؤامرة. هنا، لا يُسأل المسؤول عن كفاءته أو خدمته للصالح العام، بل عن درجة حماسه في الدفاع عن رواية النظام.
أما من يخرج عن النص، فله نصيب آخر من “الاهتمام”. التهديدات، وفق التحقيق، لا تُرسل دائمًا في رسائل رسمية، بل تُمرَّر بذكاء فجّ: تلميح بالعائلة في الداخل، أو تذكير بأن للأجهزة ذاكرة طويلة وحدودًا مرنة. معارضة الخارج، في هذا المنطق، لا تُواجَه بالحجة، بل بالضغط العائلي، وكأن الدولة لم تجد بعد فرقًا بين الوطن والعقاب الجماعي.
ولم تسلم الجالية الجزائرية نفسها من هذا الاستعمال الوظيفي. فبدل أن تكون فضاءً طبيعيًا للتنوع والاختلاف، جرى تحويلها، حسب ما كشفه التحقيق، إلى خزان معلومات، تُستخرج منه المعطيات حول المعارضين والناشطين، كما في حالة الناشط أمير بوخرص. جالية تُراقَب، لا تُصغى؛ وتُستَخدم، لا تُمثَّل.
المفارقة الساخرة أن هذه الممارسات لم تفاجئ المنظمات الحقوقية، بقدر ما أكدت ما سبق أن حذّرت منه: نظام يتقن تصدير أزماته، ويتدخل في شؤون غيره، ثم يرفع صوته عاليًا عندما يُمسّ قناعه. دول ومنظمات سبق أن نبهت إلى هذا السلوك، وجدت في التحقيق مادة توثيقية إضافية، لا أكثر.
كالعادة، لم يتأخر الإعلام الرسمي الجزائري في الدخول على الخط، لا لمناقشة الوقائع، بل للدفاع الغريزي عن النظام، واتهام التحقيق بتهديد العلاقات الجزائرية–الفرنسية. خطاب يُتقن قلب الطاولة: المشكلة ليست في الممارسة، بل في من كشفها. وهنا تتجلى ازدواجية المعايير بأوضح صورها، حين تنتقد وكالة الأنباء الجزائرية الإعلام الفرنسي، بينما تمارس الأسلوب ذاته، إن لم يكن أكثر فجاجة، في تغطياتها الانتقائية لقضايا إقليمية أخرى.
كل هذا الحراك الإعلامي والدبلوماسي يعكس، في العمق، حالة ذعر أكثر مما يعكس ثقة. نظام يسابق الزمن لتبييض صورته قبل نشر التحقيق، ويستبق الفضيحة بمحاولات إنكار، يبدو كمن يخاف من مرآة الحقيقة أكثر مما يخاف من خصومه. فالدولة الواثقة لا تُربكها تحقيقات، أما الهشة، فتراها ترتجف من عنوان.
في النهاية، لا يطرح هذا الملف سؤال فرنسا وحدها، بل يطرح سؤال الدولة الجزائرية نفسها: إلى متى سيظل النظام يتعامل مع مواطنيه في الداخل والخارج كملفات أمنية؟ ومتى يدرك أن زمن إدارة السياسة بعقلية المخابرات، مهما طال، لا ينتهي إلا بفضيحة… أو بأخرى.
