يبدو أن حزب العدالة والتنمية اكتشف، بعد سنوات من الخروج من الحكومة، أن لديه ملفاً قديماً يصلح لكل موسم سياسي: سعد الدين العثماني.
ففي لقاء حزبي بالنواصر، اختار عبد الإله بنكيران أن يفتح صندوق الذكريات من جديد، لكن هذه المرة ليس بلغة المراجعة السياسية الهادئة، بل بعبارات مباشرة دعا فيها العثماني إلى «لزم بيته» والابتعاد عن العمل الحزبي، مع دعوته إلى العودة إلى «الشؤون العلمية» وعدم «التشويش على الإخوان».
المفارقة أن الرجل الذي كان يوماً رئيساً للحكومة وأميناً عاماً للحزب، تحول في خطاب القيادة الحالية إلى ما يشبه «ضيفاً غير مرغوب فيه» داخل البيت الذي قضى فيه سنوات طويلة. وكأن العضوية الحزبية لها تاريخ انتهاء صلاحية، وكأن من غادر موقع المسؤولية عليه أن يغادر معه حق الكلام.
أما توقيع اتفاق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، فقد عاد بدوره إلى الواجهة باعتباره ورقة جاهزة لتوزيع المسؤوليات. بنكيران قال إن الحزب يتلقى الانتقادات بسبب توقيع العثماني، مؤكداً أن قيادة الحزب لم تكن على علم به.
لكن هنا تدخل محمد يتيم ليضع فرامل على هذا الخطاب، معتبراً أن استحضار توقيع العثماني «لم يكن في محله»، ودافع عن ضرورة قراءة الواقعة ضمن سياقها السياسي والدستوري، مشيراً إلى أن العثماني لم يكن، بحسب روايته، مطلعاً مسبقاً على مضمون الوثيقة التي طُلب منه توقيعها.
وهكذا تحولت القصة إلى مشهد سياسي شديد المفارقة: قيادة حالية تريد أن تقول إن توقيع الأمس لا يمثلها، وقيادات سابقة ترد بأن التوقيع لم يكن قرار شخص واحد أصلاً، بينما يبقى المواطن أمام أرشيف سياسي يعاد فتحه كلما احتاج الحزب إلى تفسير مرحلة من ماضيه.
والأكثر إثارة في المشهد أن بنكيران سبق أن دافع عن العثماني عقب توقيع الاتفاق سنة 2020، قبل أن يتغير الخطاب اليوم ويصبح الرجل نفسه عنواناً لتحميل المسؤولية.
في السياسة، تتغير المواقع بسرعة، وتتبدل الحسابات أسرع، لكن الذاكرة الحزبية لديها مشكلة واحدة: أنها لا تملك زر «الحذف».
والعثماني، الذي قيل له اليوم «الزم بيتك»، يبدو أن مشكلته ليست في البيت، بل في أن بعض الملفات القديمة ما زالت تعرف طريقها جيداً إلى صالونات الحزب.







