آخر الأخبار

بنعبد الله والحكومة.. عندما يعود «الأرشيف» إلى طاولة المفاوضات

بنعبد الله والحكومة.. عندما يعود «الأرشيف» إلى طاولة المفاوضات

يبدو أن السياسة المغربية تملك ذاكرة أطول من ذاكرة السياسيين أنفسهم. فمع انطلاق حسابات تشكيل الحكومة المقبلة، يعود اسم نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى دائرة المشاورات، حاملاً معه ليس فقط تجربة وزارية طويلة، وإنما أيضاً أرشيفاً سياسياً ثقيلاً من المواجهات والتصريحات التي لم تختفِ بمجرد تغيير موازين التحالفات.

بنعبد الله ليس وافداً جديداً إلى المكاتب الحكومية. فقد سبق له أن شغل مناصب وزارية، وعاش مراحل سياسية جعلت اسمه حاضراً في أكثر من محطة حساسة، من الدبلوماسية إلى الحكومة، مروراً بمواجهات سياسية وصلت في مناسبتين إلى بلاغات رسمية صادرة عن الديوان الملكي.

وهنا تحديداً تبدأ المفارقة التي تمنح المشهد نكهته السياسية الخاصة: السياسي الذي كان في مرحلة سابقة من أبرز الأصوات المنتقدة لما كان يسميه «التحكم»، يجد نفسه اليوم أمام احتمال العودة إلى الحكومة في ظل قيادة حزبية تنتمي إلى الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي كان في قلب جزء مهم من ذلك السجال.

السياسة، بطبيعتها، لا تعترف كثيراً بالوفاء للخصومات القديمة. فما كان بالأمس خطاً سياسياً فاصلاً يمكن أن يتحول اليوم إلى مجرد «تقاطع في البرامج»، وما كان عنواناً للمواجهة يمكن أن يصبح، بعد دورة انتخابية واحدة، عنواناً للتفاوض حول الحقائب والمواقع.

لكن المشكلة أن الذاكرة السياسية لا تدخل في عطلة أثناء تشكيل الحكومات.

فالأرشيف لا يفاوض، ولا يطلب مقعداً في الأغلبية، ولا يحتاج إلى دعوة من رئيس الحكومة. يكفي أن تفتح الصحف القديمة حتى تعود التصريحات والردود والبلاغات إلى الواجهة، وكأنها تقول للسياسيين: الائتلافات تتغير، لكن ما قيل بالأمس يبقى مكتوباً.

وفي إحدى أبرز المحطات، صدر بلاغ عن الديوان الملكي على خلفية تصريحات لبنعبد الله، واعتبر البلاغ تلك التصريحات وسيلة لـ«التضليل السياسي»، منتقداً إطلاق مواقف بلا أساس واستعمال مفاهيم تمس بصورة المؤسسات ومصداقيتها، كما أوضح أن الشخص الذي كان موضوع التصريح كان آنذاك مستشاراً للملك وقد انقطعت علاقته بالعمل الحزبي.

وبعيداً عن تفاصيل المواجهة القديمة، فإن المفارقة السياسية اليوم تكمن في شيء أبسط: الخطاب السياسي يستطيع أن يغير مقاعده بسرعة، لكن لا يستطيع تغيير تسجيلاته القديمة.

فبنعبد الله الذي كان يرفع سقف المواجهة مع «البام» في مرحلة سابقة، يجد نفسه أمام حزب يقود مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، ورئيسته فاطمة الزهراء المنصوري توجد في قلب المشهد الحكومي والسياسي الجديد.

هنا تصبح السياسة أشبه بمسرح واسع تتغير فيه الديكورات بسرعة، بينما تبقى بعض الجمل معلقة في الخلفية. الأمس معارضة، واليوم مشاورات؛ الأمس «تحكم»، واليوم «تقاطع سياسي»؛ الأمس خصومة انتخابية، واليوم احتمال جلوس حول طاولة واحدة.

وليس في ذلك بالضرورة تناقض قانوني أو استثناء سياسي، فالتحالفات تتغير، والأحزاب تعيد ترتيب مواقفها وفق النتائج والبرامج والموازين الجديدة. لكن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عندما يكون السياسي نفسه أحد أبطال فصولها السابقة.

لهذا فإن عودة اسم بنعبد الله إلى حسابات الحكومة لا تعيد فقط سؤال المشاركة أو المعارضة، بل تعيد معه سؤالاً سياسياً أكثر إزعاجاً: ماذا يفعل السياسي عندما تصطدم مواقفه القديمة بحسابات اللحظة الجديدة؟

ففي زمن المشاورات، قد تتغير التحالفات، وتتبدل العناوين، وتتسع أو تضيق أبواب الوزارات، لكن الأرشيف يبقى أكثر ثباتاً من كل ذلك. وربما تكون هذه هي القاعدة الأكثر قسوة في السياسة: يمكن للسياسي أن يغير موقعه، لكن من الصعب أن يطلب من الذاكرة السياسية أن تغير مكانها.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار

تابع الأخبار24