النقل الحضري بالمغرب.. هل يُعقل أن نستضيف كأس العالم بهذه الفوضى؟

النقل الحضري بالمغرب.. هل يُعقل أن نستضيف كأس العالم بهذه الفوضى؟

بينما يشد المغرب أنظاره نحو الأفق بتنظيم تظاهرات رياضية ضخمة ككأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، يقف الواقع الحضري شاهداً على مفارقة مؤلمة.

فمن جهة تُرفع الشعارات الطموحة والتصريحات المتفائلة، ومن جهة أخرى، يعيش قطاع النقل في المدن الكبرى حالة من التدهور والعشوائية، تُناقض كل ما يُروج له من صور براقة عن الاستعدادات.

نقل التطبيقات الذكية.. نجاح ميداني ورفض قانوني

منذ أن ظهرت خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية في المغرب، برزت كحل عملي يلبي حاجيات شريحة واسعة من المواطنين، الباحثين عن وسيلة نقل أكثر شفافية وسرعة وأماناً.

إلا أن هذا النشاط بقي عالقاً في دوامة “اللا قانون”، بعدما أعلنت وزارة الداخلية صراحة أنه غير مرخص وتوعدت المخالفين بالعقوبات، في حين أبدت وزارة النقل انفتاحاً على تقنينه، دون أن تترجم ذلك إلى أي إطار تنظيمي واضح إلى اليوم.

هذا التناقض الرسمي لا يزيد إلا من تعقيد الوضع، إذ تُمارس هذه الخدمة بشكل يومي، ويعتمد عليها الآلاف في تنقلاتهم، بل ويشتغل بها عشرات الآلاف من الشباب المغاربة. ورغم ذلك، تبقى مجرد خدمة “سرية” بنظر القانون، في مشهد يُجسد انفصاماً بين التشريع والميدان.

الاشتباكات في الشارع.. عرض لأزمة أعمق

الاعتداءات والمطاردات التي نراها بين سائقي سيارات الأجرة التقليدية ونظرائهم في التطبيقات الذكية ليست سوى سطح أزمة أكثر تعقيداً. فالمشكل الحقيقي يكمن في بنية قطاع النقل الحضري نفسه، الذي يتخبط في نظام المأذونيات المهترئ، ويعاني من سيارات لا تليق بمقام الراكب، فضلاً عن غياب شبه تام لرقمنة القطاع أو تحديثه.

ما يحدث ليس فقط صراعاً على الزبون، بل صراع بين نمطين مختلفين: واحد تقليدي ومتجاوز، وآخر عصري لكنه مرفوض من طرف القانون.

الرهان على الاستحقاقات العالمية يفرض التغيير

لا يمكن الحديث عن تنظيم تظاهرات بحجم كأس العالم أو كأس إفريقيا، دون مراجعة شاملة للنقل الحضري. فقد سبق لدول كجنوب إفريقيا وقطر أن جعلت من خدمات النقل الذكية ركناً أساسياً في خططها اللوجستية، ووفروا آلاف السيارات المرتبطة بتطبيقات ذكية تعمل بتنسيق مباشر مع الجهات الأمنية. أما المغرب، فلا يزال يتردد في ترخيص خدمة أثبتت فعاليتها وكسبت ثقة المواطنين رغم المنع.

خدمات التطبيقات تكسب الرهان رغم العراقيل

الطلب الكبير على هذه التطبيقات ليس محض صدفة. بل هو انعكاس مباشر لفشل النقل التقليدي في مواكبة حاجيات العصر. المواطن بات يفضل وسيلة نقل يعرف كلفتها مسبقاً، يستطيع تقييم سائقها، ويدفع مقابلها ببطاقة أو نقداً دون مفاجآت. في المقابل، يجد نفسه في سيارات أجرة متهالكة، لا تخضع للمراقبة، ولا تحترم التسعيرة القانونية في كثير من الأحيان.

فرص شغل ضائعة بين مطرقة البطالة وسندان المنع

وراء هذه التطبيقات، يوجد أكثر من ثلاثين ألف شاب يشتغلون بكرامة، بعضهم اقترض لشراء سيارة، وآخرون يكتفون بكراء يومي للبحث عن قوتهم. ورغم أن هذه الخدمة خلقت مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، فإن استمرار تجريمها يضع هؤلاء العاملين في مهب المجهول، ويزيد من هشاشتهم القانونية والاقتصادية.

هل ينتصر المنطق على الفوضى؟

في ظل ما يعيشه المغرب من تحولات، يُطرح السؤال بإلحاح: هل نُبقي على الوضع الراهن المليء بالتناقضات والمخاطر؟ أم نُبادر إلى تقنين نشاط أثبت جدارته وأصبح جزءاً من نمط الحياة اليومية؟ الرهان لا يخص النقل فحسب، بل يخص صورة المغرب كبلد يُراهن على المستقبل بينما لا يزال يتعثر في حاضره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى