تتجه المبادرة المغربية بشأن مكافحة خطاب الكراهية نحو ترسيخ الحوار والتسامح كأدوات أساسية للوقاية من الانقسام المجتمعي وتعزيز التماسك، من خلال تعاون يجمع الدول والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني وفاعلي العمل الرقمي.
وتأتي هذه المبادرة في سياق تقديم الرؤية المغربية التي تستند إلى الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات، والتي تضع الحوار بين الأديان والثقافات في خدمة السلام والتفاهم بين الشعوب.
ويؤكد هذا التوجه أن مواجهة خطاب الكراهية لم تعد قضية ظرفية مرتبطة بحدث أو أزمة محددة، خصوصاً مع تنامي الخطابات التي تستهدف الآخر وتعيد إنتاج الأحكام المسبقة وتدفع نحو تقسيم المجتمعات على أساس الدين أو الهوية أو الأصل.
وتبرز في هذا السياق مجموعة من العوامل التي يمكن أن تغذي الخوف والتطرف، من بينها الجهل بالآخر، وانتشار الصور النمطية والأحكام المسبقة، إضافة إلى الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. وهي عوامل يمكن أن تستغلها تيارات متطرفة لتحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال فردية، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة لخدمة خطاب الإقصاء.
كما تحذر المبادرة من خطورة انتقال خطاب الكراهية من الهامش إلى المجال العام، خصوصاً عندما يتم التطبيع معه من طرف شخصيات سياسية، سواء كانت في موقع المسؤولية أو سبق لها أن شغلت مناصب سياسية. فحين تتحول لغة الإقصاء إلى جزء عادي من الخطاب العام، يصبح من السهل توظيفها كأداة سياسية.
وتضع المبادرة المسؤولية أيضاً على عاتق المؤسسات السياسية والدينية والفكرية، باعتبار أن مواجهة استغلال الدين والهوية لتبرير الإقصاء والتطرف لا يمكن أن تكون مهمة جهة واحدة. وتزداد هذه المسؤولية عندما يجري تقديم الخطابات المتطرفة في غطاء وطني أو تحت شعارات توحي بالدفاع عن الوطن.
وفي هذا الإطار، تقدم التجربة المغربية نفسها باعتبارها قائمة على الحوار والتسامح والعيش المشترك، مستندة إلى تاريخ المملكة وتركيبتها المجتمعية المتعددة. كما يحيل التصور المغربي إلى الهوية الوطنية كما يحددها الدستور، بما تحمله من روافد عربية إسلامية وأمازيغية وصحراوية حسانية، إلى جانب روافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية.
وتحتل مؤسسة إمارة المؤمنين مكانة مركزية في هذا التصور، من خلال التأكيد على حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية التعدد الديني. كما يستحضر الخطاب المغربي تاريخ المملكة في استقبال جماعات وأقليات دينية وعرقية لجأت إليها هرباً من الاضطهاد، بما جعل التعايش جزءاً من تجربة تاريخية ومؤسساتية للمغرب.
ولا يُطرح التعايش، وفق هذه الرؤية، كمسألة مرتبطة بالمجاملات أو الخطابات الاحتفالية، بل كخيار مؤسساتي تُترجم مضامينه عبر السياسات والممارسات الوطنية.
وعلى المستوى الدولي، يسعى المغرب إلى تعزيز حضوره في النقاش العالمي المرتبط بمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات، من خلال دعم المبادرات والقرارات الأممية ذات الصلة بالتسامح والتفاهم والعيش المشترك.
وتحدد المبادرة خمس أولويات للعمل الجماعي، تبدأ بالتربية على احترام الاختلاف، وربط الحوار بين الأديان والثقافات بالحياة الاجتماعية اليومية، ثم مساءلة الخطاب العام عندما يتحول إلى أداة للإقصاء والتحريض.
كما تشمل الأولويات تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، باعتبار أن معالجة جذور التهميش والهشاشة يمكن أن تساهم في الحد من البيئة التي تستغلها خطابات التطرف، إلى جانب الوقاية من انتشار خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، حيث يمكن للكلمة أن تنتشر في دقائق وتتجاوز الحدود والمجتمعات.
وتخلص المبادرة إلى أن حماية الكرامة الإنسانية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ركيزة أساسية للأمن والاستقرار. كما أن التعايش لا يتحقق مرة واحدة، وإنما يحتاج إلى التزام مستمر ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الدينية والسياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
وفي هذا السياق، يواصل المغرب تقديم الحوار والتسامح باعتبارهما جزءاً من مقاربته لمواجهة خطاب الكراهية، مع التأكيد على أن حماية المجتمع من الانقسام تبدأ من الاعتراف بالاختلاف وتحويله من مصدر للتوتر إلى عنصر من عناصر القوة والتماسك.







