
السياسيون المغاربة… مهندسو الخطابات لا مهندسو الإصلاح
السياسيون المغاربة… مهندسو الخطابات لا مهندسو الإصلاح
حين تُصاب الأحزاب بالشيخوخة، تُصاب الديمقراطية بالعجز. فالمشهد السياسي في المغرب اليوم يبدو كما لو أنه يكرر نفسه منذ عقود، بنفس الوجوه، بنفس الخطابات، وبنفس الأعذار التي فقدت بريقها. السياسة، التي كانت يومًا مشروعًا للتجديد والإصلاح، تحوّلت إلى آلةٍ لإعادة إنتاج ما مضى… بروحٍ قديمةٍ لا تُثمر جديدًا.
في زمنٍ يتغير فيه العالم بسرعة الضوء، ما زالت أحزابنا تتحرك بخطواتٍ بطيئة، تُدير الولاء أكثر مما تُدير الفكرة، وتبحث عن التمويل أكثر مما تبحث عن التغيير. وهكذا، تحوّل النضال إلى مهنةٍ تُدرّ الأجور بدل أن يكون التزامًا أخلاقيًا يُنتج الأمل والمعنى.
المواطن المغربي اليوم لا يثق. كيف يثق، وكل دورة انتخابية تنتهي بنفس التحالفات ونفس النتائج؟ فيربح السياسي المقعد، ويخسر الوطن الأمل من جديد. ملايين الدراهم تُصرف سنويًا تحت شعار “دعم الديمقراطية”، لكن الواقع يُظهر أن هذا الدعم لا يدعم سوى الركود، ولا يُنتج سوى نخبٍ تدور حول نفسها.
مؤتمراتٌ تُعقد لتصوير الصور، وبياناتٌ تُكتب لتبرير الصمت، وتقارير مالية تُقدَّم دون أثرٍ في الشارع. ما يحدث ليس دعمًا للديمقراطية، بل تمويل رسميّ للعجز السياسي.
في الديمقراطيات الحقيقية، الحزب الذي يفشل يُعاقب في الصندوق، لا يُكافأ بالمنصب. أما عندنا، فالفشل يتحول إلى رصيدٍ انتخابي، والمشاركة في الحكومة إلى امتيازٍ يتجدد تلقائيًا.
السؤال المؤرق: لماذا تُمنح الأحزاب التي فشلت في إدارة الشأن العام فرصًا جديدة دون محاسبة؟ أليس من المنطقي أن تخضع لفترة مراجعة سياسية، كما تُراجع الشركات حساباتها بعد الخسارة؟
سنتان من التجميد والمراجعة قد تكون كفيلة بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتجديد الدماء والبرامج والقيادات.
لكن بدل ذلك، نُعيد نفس الوجوه إلى نفس المناصب، وكأننا ندور في متحفٍ سياسيٍّ يُعرض فيه الماضي أكثر مما يُستشرف المستقبل. السياسة تحوّلت من تكليفٍ إلى معاشٍ دائم، ومن فكرةٍ إلى وظيفةٍ مريحة. والنتيجة: أحزابٌ متعبة، بلا أفكار جديدة، بلا رؤية، بلا روح.
الشيخوخة الحزبية ليست في الأعمار فقط، بل في الذهنيات. الزعامات تُخلَّد داخل المقرات، تُورَّث المقاعد كما تُورَّث الأملاك، ويُقصى الشباب بحجة “قلة الخبرة”. وهكذا، تستمر نفس الوجوه في تصدّر المشهد، كأن الزمن السياسي المغربي عالق في صورةٍ قديمةٍ لا يريد أحدٌ أن يُغيّرها.
الإصلاح هنا لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. فالحزب الذي يعيش من أموال الدولة دون مردودية حقيقية، ويمارس السياسة كما تُمارَس الطقوس الإدارية، لم يعد فاعلًا في البناء الديمقراطي، بل أصبح عائقًا أمام تطوره.
إن الديمقراطية المغربية لا تحتاج إلى مزيدٍ من الأحزاب، بل إلى قليلٍ من الصدق وكثيرٍ من الكفاءة. فالكثرة لم تُنتج التعدد، والدعم لم يُثمر المحاسبة. ومن لم يُقنع في الحكم، لن يُقنع في المعارضة.
السياسة ليست مهنةً مدى الحياة. ومن يهرم في موقعه، يجب أن يُحال إلى التقاعد السياسي. فالأوطان تُبنى بالأفكار الحيّة، لا بالزعامات الخالدة.






