الدعم العمومي في خدمة من؟ لغز مشاريع الشباب بسلا

الدعم العمومي في خدمة من؟ لغز مشاريع الشباب بسلا

في مدينة سلا، حيث يُفترض أن تتحول المشاريع الاجتماعية الموجّهة للشباب إلى جسور أمل، يبدو أن بعض هذه الجسور قررت فجأة أن تفتح كشكًا للأداء عند المدخل. الدخول ليس مجانًا، والنية الحسنة وحدها لم تعد كافية. فالمبادرات التي أُطلقت ذات يوم بشعار الإدماج ومحاربة الهشاشة، صارت اليوم تُدار بمنطق “الاستثمار الذكي”… ذكي فقط على حساب من؟

المفارقة الساخرة أن هذه المشاريع وُلدت من رحم مبادرات ملكية، رُسمت لها أهداف نبيلة: تمكين الشباب، محاربة الإقصاء، خلق فضاءات للتكوين والثقافة والرياضة.

لكن ما إن خرجت إلى أرض الواقع، حتى بدا أن بعض الجهات المحلية قرأت كلمة “اجتماعي” على أنها “قابل للتسعير”، واعتبرت “الإدماج” نشاطًا موسميًا يمكن تأجيره بالساعة.

وفق ما يتداوله فاعلون مدنيون، تحولت مراكز كانت من المفترض أن تكون مفتوحة في وجه شباب الأحياء الشعبية إلى فضاءات شبه خاصة، تُفرض فيها رسوم، وتُبرم عقود تدبير لا تختلف كثيرًا عن عقود كراء قاعات الحفلات. الفرق الوحيد أن اللافتة في الخارج ما زالت تحمل اسم “مشروع اجتماعي”، بينما في الداخل تُدار الأمور بعقلية “خلص تدخل… ما خلصش الله يعاونك”.

الأجمل في هذه القصة، أن بعض هذه المشاريع وُصفت بأنها “حاضنات للشباب”. حاضنات، نعم، لكن يبدو أنها تحتضن كل شيء إلا الشباب المعنيين أصلًا. تكوين محدود، أنشطة مدفوعة، وبرامج تُفصَّل على مقاس فئات قادرة على الأداء، لا على مقاس بطالة متفشية وحاجة حقيقية للدعم. أما الشباب الذي لا يملك ثمن الاشتراك، فمكانه الطبيعي هو خارج الصورة… أو داخل خطابات الافتتاح فقط.

وعندما يُطرح السؤال البسيط: أين ذهبت الأهداف الاجتماعية؟ يأتي الجواب الرسمي جاهزًا مثل بيانات الطقس: “التدبير المفوض يضمن الاستمرارية ويحسن جودة الخدمات”. عبارة جميلة، لكنها لا تشرح لماذا تحسّنت الجودة فقط لمن يدفع، ولماذا صارت الاستمرارية مرتبطة بفاتورة شهرية، لا بحضور شبابي فعلي.

الطريف المبكي أن الحديث عن دفاتر التحملات، والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يُستحضر فقط في الندوات، ثم يُركن جانبًا عندما يتعلق الأمر بالواقع. لا أحد يعرف بدقة كيف اختيرت الجهات المدبرة، ولا كيف تُصرف الاعتمادات، ولا لماذا تتحول مشاريع عمومية ممولة من المال العام إلى مصادر ربح “شرعي” لبعض المحظوظين.

وهكذا، يجد شباب سلا أنفسهم أمام نسخة جديدة من الإقصاء: إقصاء مُغلّف بخطاب اجتماعي، ومزين بلافتات رسمية، لكنه في العمق لا يختلف كثيرًا عن منطق السوق. مشروع وُجد ليُدمجهم، فإذا به يُذكّرهم بأن حتى “الدعم” له ثمن، وأن الهشاشة لا تُعفى من الأداء.

القضية، في النهاية، ليست مجرد سوء تدبير محلي، بل سؤال سياسي ساخر بامتياز: كيف نحارب الإقصاء بمشاريع تُقصي؟ وكيف نُقنع الشباب بالثقة في المؤسسات، بينما يرون بأعينهم أن المبادرات التي تحمل أسماءهم تُدار ضدهم؟

إلى أن يُعاد ضبط البوصلة، ستبقى بعض المشاريع الاجتماعية في سلا مثالًا حيًا على فنّ تحويل النوايا الحسنة إلى استثمارات مقنّعة… وعلى قدرة السياسة المحلية على السخرية من نفسها، دون أن تضحك أحدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى