
الخلود السياسي.. أزمة في تجديد النخب
الخلود السياسي.. أزمة في تجديد النخب
لا تكمن الأزمة في تقدّم العمر، بل في عجز القيادات السياسية عن إحداث تجديد حقيقي داخل هياكلها. وحين تستمرّ نفس الأسماء في تسيير المشهد لعقود، دون تداول حقيقي للمسؤولية، تصبح الزعامة منصبًا دائمًا لا مهمة مؤقتة، وتتحوّل السياسة إلى دائرة مغلقة لا تعرف التغيير.
لقد كانت الأحزاب السياسية ذات يوم منصات للنقاش والتكوين، لكنها أصبحت اليوم تُدار بنفس الوجوه، ونفس الخطابات، وضمن نفس المنطق القديم. ومع مرور الوقت، فقدت هذه الأحزاب قدرتها على جذب الأجيال الجديدة، وتحولت إلى مؤسسات محافظة على ذاتها أكثر من حرصها على تجديد دمائها أو تطوير مشاريعها.
غالبًا ما تُمدّد الولايات القيادية باسم “الإجماع”، وتُعدَّل القوانين الداخلية لخدمة من يوجد على رأس الحزب. في الوقت نفسه، تتحوّل المؤتمرات إلى طقوس شكلية، تُتّخذ فيها القرارات مسبقًا، بينما يتحوّل النقد الداخلي إلى “تهديد” بدل أن يُنظر إليه كحق تنظيمي مشروع.
في هذا السياق، لم تعد الزعامة فعل قيادة جماعية، بل أصبحت عنوانًا لنمط بيروقراطي، يُنتج الولاء بدل الكفاءة، ويكافئ الصمت بدل الجرأة. وباسم “الاستقرار”، يتكرس منطق الجمود، وتُفرغ السياسة من بعدها التشاركي، ليتحول العمل الحزبي إلى نشاط شكلي يفتقد للروح والمضمون.
الجيل الجديد، من جهته، يجد نفسه خارج هذه المعادلة. إنه لا يرفض السياسة كمبدأ، لكنه لا يجد ذاته في منظومة لا تُفسح له المجال للمشاركة أو المبادرة. يبحث عن أفق مفتوح للتعبير والمساهمة، بعيدًا عن الولاءات المغلقة والتراتبية القديمة.
وبينما يتمسّك القدامى بمواقعهم، يتقلّص هامش الثقة في الأحزاب، وتذبل الحياة السياسية. فما كان يجب أن يكون حقلًا خصبًا للتجديد، أصبح بيئة طاردة للأفكار والطاقات الجديدة. وفي غياب تداول حقيقي، يتحوّل البقاء الطويل إلى عائق لا إلى قيمة.
إن تجديد النخب ليس تمرّدًا على التاريخ، بل ضرورة لضمان الاستمرارية الحقيقية. فالمؤسسات السياسية لا تُقاس بعمر قياداتها، بل بقدرتها على توليد البدائل، وصياغة المستقبل بشكل يليق بتطلعات الأجيال الجديدة.
وفي النهاية، تظل الديمقراطية مشروعًا دائمًا للتجدد، لا حالة تُجمّد عند أشخاص بعينهم. ومن المؤسف أن تظل بعض القيادات متمسكة بمواقعها كما لو أن الزمن قد توقف عند لحظة وصولها.






