
الحمامة بسلا في مهمة مستحيلة… التواصل مع جيل لا يؤمن بالشعارات
الحمامة بسلا في مهمة مستحيلة… التواصل مع جيل لا يؤمن بالشعارات
في الوقت الذي يشتعل فيه الشارع المغربي بغضبٍ شبابي غير مسبوق، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يعقد لقاءً محليًا في مدينة سلا تحت شعار “الإنصات لجيل Z”، وكأنّ الأزمة مجرد سوء فهمٍ بين الأجيال، لا نتيجة سنواتٍ من التهميش والإقصاء.
اللقاء، الذي حمل ملامح رتابةٍ سياسية مألوفة، جمع نفس الوجوه التي اعتادها المواطنون في سلا لعقود.
وجوهٌ لم تغيّر شيئًا في المدينة سوى مواقع جلوسها على الكراسي. فالمكان الذي احتضن اللقاء وحده كان كافيًا ليُخبرنا عن نوعية “الحلول” التي ستُقترح: حلول من داخل الجدران المغلقة، لا من قلب الأحياء التي تغلي بالبطالة والضياع.

على مواقع التواصل، انهالت التعليقات الساخطة. كتب أحدهم:
“شوف غير الحالة ديال المكان اللي جالسين فيه، يعطيك لخبار على الحلول لي غادي يخرجو لينا.”
وقال آخر: “ياودي، يبعد منهم غا هاد الأزرق، منين حلينا عينينا فسلا وحنا تانسمعو بيه، هاهو فالجماعة وهاهو فالبرلمان وهاهو فالعمالة.”
أما أكثر التعليقات قسوة، فكانت تلك التي ربطت الأزمة مباشرةً برموز الحزب في المدينة، معتبرةً أن “الوجوه التي عمرت في المسؤوليات لأكثر من ثلاثين سنة هي جزء من المشكلة، لا من الحل.”
والحقيقة أن سلا لم تعد تحتاج اجتماعاتٍ شكلية لتشخيص معاناتها، فالمعاناة مكشوفة للعيان: أحياءٌ مهمّشة، شبابٌ بلا أفق، خُرَب تتحوّل إلى أوكارٍ للانحراف، فيما يستمر المسؤولون في التباهي بخُططٍ لا تُنفَّذ ووعودٍ لا تُترجم إلا في الحملات الانتخابية.
منذ عقود، ظل الحزب الأزرق حاضراً في مفاصل المدينة: في الجماعة، في البرلمان، في العمالة… لكن المدينة بقيت على حالها، بل أسوأ. لم تُفتح المصانع، لم تُؤهل الفضاءات، ولم تُحلّ حتى مشاكل البنية التحتية البسيطة. فكيف يمكن الحديث عن “الاستماع لجيل Z” في مدينة لم تسمع أصلاً جيل التسعينات ولا الألفينات؟
المفارقة أن الحزب الذي يتحدث عن الشباب هو نفسه الذي لم يفسح لهم يوماً مقعداً حقيقياً داخل مؤسساته. لقاءات الصورة لا تُعيد الثقة، ولا تُقنع جيلاً يعيش الواقع لحظة بلحظة على “تيك توك” و”إنستغرام”.
جيل اليوم لا يريد خطابات ولا شعارات، يريد أن يرى المنتخبين في الميدان لا في المنصات. يريد مشاريع حقيقية، لا “ورشات تواصلية” تلتقط فيها الصور ثم تُنسى في الأرشيف الحزبي.
إنّ سلا اليوم مرآة صريحة للفشل المحلي، لمدينةٍ تآكلت من الداخل تحت ثقل الإهمال والفساد. وإذا كان الحزب يريد حقاً الاستماع لجيل Z، فليبدأ أولاً بالإصغاء لصدى الشارع، وللعبارة التي تتكرر في التعليقات:
“نفس الوجوه، نفس المشاكل، نفس اللامبالاة.”





