
التحقيق في اختلالات “مارتشيكا” يعيد النقاش حول تدبير المشاريع الملكية
التحقيق في اختلالات “مارتشيكا” يعيد النقاش حول تدبير المشاريع الملكية
كشفت مصادر إعلامية عن تطورات جديدة في ملف وكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا، بعد أن فتحت السلطات القضائية تحقيقًا موسعًا حول الاختلالات التي شابت تنفيذ هذا المشروع الملكي، الذي أُطلق سنة 2007 بإشراف مباشر من الملك محمد السادس، بهدف تحويل بحيرة الناظور إلى قطب بيئي وسياحي واقتصادي متكامل.
وبينما تتواصل التحقيقات التي يشرف عليها الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس، تناقلت الأوساط الصحفية خبر إقامة المدير العام السابق للوكالة، سعيد زارو، حفل زفاف فاخر لابنه بالعاصمة الرباط، في وقتٍ ما تزال فيه أوراش المشروع تعرف تأخرًا ملحوظًا وتعثرًا في الإنجاز.
ووفقًا للمعطيات القضائية، فقد كُلّفت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بمتابعة الملف، بناءً على تقرير مفصل من المجلس الأعلى للحسابات حول فترة تسيير الوكالة. وقد وصلت التحقيقات إلى مراحل متقدمة، شملت الاستماع إلى مسؤولين وأطر مالية وإدارية، مع سحب جواز سفر المدير السابق ووضعه تحت المراقبة القضائية إلى حين استكمال الخبرات المحاسباتية.
التقرير القضائي أشار إلى وجود تجاوزات في الصفقات العمومية وعقود مناولة فاقت قيمتها التقديرية، في حين ظلت مشاريع أساسية، من قبيل الميناء الترفيهي وتهيئة شارع 80، معلّقة رغم رصد ميزانياتها منذ سنوات.
ويعتبر مشروع “مارتشيكا” من أبرز المشاريع الملكية في الجهة الشرقية، وقد رُصدت له ميزانية ضخمة ضمن رؤية تنموية شاملة تهدف إلى تحسين البنية التحتية وجذب الاستثمار السياحي. غير أنّ البطء في الإنجاز والاختلالات المسجلة أعادا طرح سؤالٍ جوهري حول فعالية الحكامة في تدبير المشاريع الكبرى بالمغرب.
ويرى مراقبون أن “مارتشيكا” لم تكن مجرد ورش بيئي وسياحي، بل تجربة اختبار حقيقية لمفهوم الحكامة الجيدة في المشاريع الملكية، إذ تلتقي فيها الرؤية الاستراتيجية من أعلى، لكنّ التنفيذ على أرض الواقع يصطدم بالبيروقراطية، وسوء التنسيق بين المؤسسات، وضعف المراقبة المستمرة.
المفارقة التي يثيرها هذا الملف تكمن في التناقض بين الاهتمام الملكي الواضح بمشاريع التنمية، وبين الأداء الإداري المتعثر الذي يُفرغ هذه المشاريع من مضمونها. فالمشروع الذي كان من المفترض أن يكون واجهةً للنجاح أصبح اليوم نموذجًا للتساؤل عن مصير المال العام وسبل المحاسبة الحقيقية.
إنّ قضية “مارتشيكا” تضع مجددًا على طاولة النقاش الحاجة إلى إصلاح شامل في منظومة التسيير العمومي، وإلى ربط المسؤولية بالمحاسبة في جميع مستويات الإدارة، حتى لا تبقى المشاريع التنموية الكبرى رهينة البيروقراطية والمصالح الضيقة.






