
البرتقال المغربي يعود إلى الواجهة رغم العطش والمنافسة
البرتقال المغربي يعود إلى الواجهة رغم العطش والمنافسة
رغم التحولات التي عرفتها خريطة الصادرات الفلاحية بالمغرب، ما زالت الحمضيات تحتفظ بمكانتها كركيزة أساسية في الميزان الزراعي، حتى وإن تراجع البرتقال، إلى حدود سنة 2025، إلى المرتبة الرابعة خلف المندرين والبطيخ والتوت. تراجع في الترتيب، نعم، لكنه لا يعني الغياب، ولا يترجم بالضرورة ضعفًا في الأداء.
الموسم الفلاحي 2024/2025 حمل إشارات مغايرة. البرتقال المغربي، خصوصًا صنف “ماروك ليت”، نجح في استعادة جزء من بريقه التصديري، مسجلًا ذروة شحنات بلغت 15 700 طن خلال شهر ماي، في رقم يعكس تحسنًا ملموسًا مقارنة بمواسم سابقة اتسمت بالحذر والتقلب.
اللافت في هذا الانتعاش ليس الحجم فقط، بل الوجهة. فقد تصدّرت كندا قائمة مستوردي البرتقال المغربي، مستحوذة على 22 في المئة من إجمالي الصادرات، بزيادة قوية بلغت 65 في المئة مقارنة بالسنة الماضية. في المقابل، سجلت الصادرات نحو الولايات المتحدة تراجعًا طفيفًا، ليستقر نصيبها عند 21.5 في المئة، في مؤشر على إعادة توزيع جغرافي للأسواق بدل انكماش شامل.
هذا التحول لم يكن معزولًا. فالصادرات نحو المملكة المتحدة قفزت سبع مرات، بينما تضاعفت الواردات من البرتقال المغربي إلى السعودية خمس مرات، وسجلت إسبانيا بدورها ارتفاعًا ملحوظًا، رغم كونها بلدًا منافسًا ومنتجًا في الآن ذاته. أرقام تعكس قدرة البرتقال المغربي على اقتحام أسواق متنوعة، حتى تلك التي تُحسب تقليديًا ضمن خانة المنافسة لا الاستيراد.
وخلال حملة واحدة فقط، استوردت 46 دولة البرتقال المغربي، وهو رقم لا يمر مرور الكرام. تنوع الأسواق هنا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل صمام أمان في وجه تقلبات الطلب والضغوط التجارية، ورسالة واضحة بأن المنتَج المغربي، حين تتوفر له شروط الجودة والسعر واللوجستيك، يجد طريقه مهما اشتدت المنافسة.
جزء من هذا الأداء يُعزى إلى التدابير الحكومية الداعمة، خاصة تلك المرتبطة بتيسير التصدير نحو أوروبا، ما مكّن المصدرين المغاربة من الصمود أمام المنافسة المصرية التي اشتدت خلال السنوات الأخيرة. دعم غير مباشر، لكنه حاسم، أعاد بعض التوازن إلى معركة الأسعار والحصص السوقية.
غير أن الصورة ليست وردية بالكامل. فالقطاع يواجه تحديات هيكلية عميقة، في مقدمتها آثار التغير المناخي، وتوالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وهي عوامل تضرب في صميم الإنتاجية والاستدامة. انتعاش الصادرات لا يلغي هذه الإكراهات، لكنه يؤجل انفجارها.
ورغم ذلك، فإن التحسن المسجل خلال الموسمين الأخيرين يُقرأ، داخل أوساط المهنيين، كإشارة إيجابية على قدرة قطاع الحمضيات على التعافي، ولو جزئيًا. تعافٍ هش، نعم، لكنه واقعي. تعافٍ لا يقوم على الوفرة، بل على إعادة التموضع، وتوسيع الأسواق، واستثمار كل نافذة مفتوحة في تجارة عالمية لا تنتظر المترددين.






