أنابيك بين الإصلاح الموعود والوعود المتكررة
ثلاثة وعشرون عاماً مرّت على تأسيس الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، والنتيجة أن الوكالة نفسها تحتاج إلى من ينعشها. فمنذ انطلاقتها وُصفت بأنها الذراع التنفيذي للحكومة في مجال التشغيل، لكن الواقع كشف أنها تحوّلت إلى ذراع مرهقة بالكثير من الخطط القليلة الجدوى.
الوزير يونس السكوري أعلن أخيراً عن مراجعة شاملة للنظام الأساسي لمستخدمي أنابيك. قال إن الوقت قد حان لمنحهم إطاراً قانونياً يليق بأدوارهم. وكأننا لم نكن نعلم أن هذا الوقت قد حان منذ سنوات طويلة.
ثلاثة وعشرون عاماً كاملة لم تكن كافية لاكتشاف أن الموظفين بلا إطار قانوني واضح! فجأة يكتشف الوزير أن الموارد البشرية هي “الرأسمال الحقيقي”. اكتشاف أشبه بمن يعلن أن الشمس تشرق من الشرق.
يتحدث الوزير عن خارطة طريق وطنية ومخطط استراتيجي و”حوارات اجتماعية”. ألفاظ منمقة تصلح لتزيين الوثائق الرسمية أكثر مما تصلح لحل مشكلات الموظفين.
فالحوار الاجتماعي، كما يعلم الجميع، ينتهي دائماً إلى صور تذكارية وبيانات دبلوماسية، فيما تظل الملفات العالقة معلقة كغسيل قديم يترنح على حبال الانتظار.
الوكالة التي يُفترض أن تعالج البطالة، عجزت حتى عن تدبير أبسط وظائفها: صرف رواتب موظفيها. بعد إعفاء مديرتها العامة السابقة، وجد المئات أنفسهم أمام رواتب متأخرة بسبب خلافات إدارية داخلية.
كيف يمكن لمؤسسة أنابيك تعجز عن دفع أجورها في وقتها أن تعطي دروساً في تدبير التشغيل؟ إنها مفارقة ساخرة لا تخطئها العين.
الوزير يتحدث عن “رسالة سياسية”. لكن أي رسالة تُرسل إلى موظف فقد الثقة في مؤسسته؟ وأي رسالة تصل إلى مواطن يرى أن المؤسسة التي وُجدت لإنقاذ العاطلين أصبحت هي نفسها عنواناً للارتباك والتسيير المرتبك؟ الرسائل السياسية في هذه الحالة لا تُغني عن الواقع شيئاً، ولا تمنح الموظفين ضمانة ولا استقراراً.
الحقيقة أن الوكالة التي وُلدت لمحاربة البطالة غرقت في بطالة الثقة. فكل إصلاح يبدأ بخطاب وينتهي بخطاب آخر، وبينهما يضيع الموظف والمواطن معاً. وما يُسمّى “فتح صفحة جديدة” ليس إلا تكراراً لصفحات قديمة مملوءة بالوعود التي لم تتحقق.
إن كان الوزير جاداً، فالإصلاح لا يحتاج إلى بلاغات ولا إلى خطط مزخرفة. الإصلاح يحتاج إلى فعل واضح، وإلى احترام الموظف قبل استعماله كحبر في تقارير رسمية. إلى ذلك الحين، ستظل أنابيك مؤسسة تحمل في اسمها كلمة “إنعاش”، بينما الواقع يثبت أنها في أمسّ الحاجة إلى من ينعشها من جديد.
