أخنوش وخطاب الهدوء القاتل: حين تُدار السياسة بلا صراخ

أخنوش وخطاب الهدوء القاتل: حين تُدار السياسة بلا صراخ

في زمنٍ سياسي تُقاس فيه الحماسة بعلوّ الصوت، اختار عزيز أخنوش أن يسير عكس التيار، لا لأنه زاهد في الصراع، بل لأنه يُتقن لعبة أكثر تعقيدًا: لعبة الهدوء المحسوب.

خطابه الأخير أمام المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد كلمة حزبية عابرة، بل تمرينًا متقنًا في إعادة ترتيب المشهد السياسي دون أن يُحرّك إصبع الاتهام صراحة.

أخنوش لا يرفع نبرة صوته، ولا يلوّح بأسماء خصومه، لكنه يفعل ما هو أدهى: يتركهم خارج النص. بأسلوب هادئ، يكاد يبدو تقنيًا، يعيد تعريف من هو الفاعل السياسي ومن يكتفي بدور المعلّق من المدرجات. السياسة، وفق هذا الخطاب، ليست ساحة صراخ ولا مهرجان بلاغات، بل ممارسة ميدانية تُقاس بالإنجاز لا بعدد الشعارات.

في كلمته، لم يهاجم أحدًا، ولم يشتبك لفظيًا مع أي طرف، لكنه في المقابل رسم حدود الجدية السياسية بخط رفيع. كل من يختار البلاغات المتشنجة والتنظير الفارغ، يجد نفسه تلقائيًا في خانة الهامش، دون أن يكلّف رئيس الحكومة نفسه عناء تسميته. إنه نقد بلا أسماء، لكنه مُحكم الإصابة.

هذا الأسلوب، الذي قد يراه البعض افتقارًا للجرأة، هو في الواقع شكل آخر من أشكال السيطرة الخطابية. فأخنوش لا ينافس خصومه في ملعبهم، بل يغيّر قواعد اللعبة نفسها. السياسة عنده تُمارس في الميدان، لا في المؤتمرات الصحافية الغاضبة، ولا في سباقات “من يصرخ أكثر”.

والسخرية هنا أن هذا الهدوء، الذي يبدو للبعض باهتًا، هو أكثر ما يُربك خصومه. كيف تهاجم من لا يهاجمك؟ وكيف تُساجل من يرفض أن ينزل إلى حلبة السجال الكلامي؟ هكذا، دون ضجيج، يُقصي الخطاب الهادئ الخطابات الانفعالية، ويضعها في خانة “غير الجدية”، بقرار لغوي صامت.

في المحصلة، لا يقدّم أخنوش خطابًا تصالحيًا بقدر ما يقدّم خطابًا انتقائيًا: سياسة لمن يشتغل، وكلام لمن أراد الكلام. وبين الصمت المقصود واللغة المضبوطة، يواصل الرجل إعادة ترتيب الفضاء السياسي، لا بالشعارات… بل بتجاهلها.

Exit mobile version