كريم زيدان… وزير الاستثمار الذي يستثمر في العناوين أكثر من الوقائع

كريم زيدان… وزير الاستثمار الذي يستثمر في العناوين أكثر من الوقائع

يبدو أن كريم زيدان وجد أخيرًا الصيغة السحرية لتحريك ملف الاستثمار: منصة رقمية أخرى. لا إصلاح جذري، لا تبسيط حقيقي للمساطر، فقط إعلان جديد، وبلاغ أنيق، وصفقة “خفيفة” بمليون سنتيم، كأن الاستثمار في المغرب كان متعثرًا فقط لأنه يفتقد واجهة إضافية.

الوزير المكلف بالاستثمار قدّم الصفقة باعتبارها خطوة ذكية لتمكين مغاربة العالم من تتبع مشاريعهم. فكرة براقة، تصلح للعرض أكثر مما تصلح للمحاسبة. لأن السؤال البسيط، الذي يتجاهله الخطاب الرسمي بمهارة، هو: إذا كانت مراكز الاستثمار الجهوية موجودة، ومهيكلة، وممولة، فما الذي كانت تفعله كل هذه السنوات؟ أم أن الاستثمار عندنا يحتاج في كل مرحلة إلى “منصة إنقاذ” جديدة؟

المفارقة الساخرة أن الدولة نفسها صرفت أموالًا طائلة لتحديث هذه المراكز، ضمن مخطط وطني قُدّم يومها باعتباره قفزة نوعية. اليوم، مع كريم زيدان، يبدو أن تلك القفزة لم تهبط في المكان الصحيح، فكان الحل: منصة أخرى، باسم آخر، وبوعود مُعاد تدويرها. كأن الاستثمار لا يتقدم إلا بتغيير الغلاف.

الحديث عن معايير أمنية عالية وبنية تقنية متطورة جاء ليُكمل العرض. شروط عادية في أي مشروع رقمي، لكنها قُدّمت هنا وكأنها إنجاز سياسي. أما المستثمر الحقيقي، فلا تعنيه كثيرًا قوة الخوادم بقدر ما تعنيه سرعة التوقيع، ووضوح القرار، واستقرار القوانين. أمور لا تُحمَّل على خادم، ولا تُحل بتطبيق.

الأكثر إثارة للسخرية، هو هذا الحرص الاستثنائي على فتح الأظرفة في موعد محدد، وكأن الزمن الاستثماري لا ينتظر، بينما ملفات كبرى، تتعلق بمناخ الأعمال وتعقيد المساطر، تُركن بهدوء في أدراج الإدارة. سرعة في المنصات، بطء في الإصلاحات… معادلة باتت مألوفة.

في النهاية، لا أحد يعارض الرقمنة، ولا أحد يشكك في نوايا تحسين الخدمات. لكن مع كريم زيدان، يتكرر المشهد نفسه: استثمار في الشكل، إبداع في التسويق، وتواضع في النتائج. منصة بمليون سنتيم قد تُطلق، وبلاغ قد يُصفق له، لكن الاستثمار الحقيقي لا يعيش على العناوين، بل على قرارات جريئة لم نرها بعد.

هكذا، يتحول الوزير المكلف بالاستثمار إلى وزير مكلف بإدارة الانطباع، حيث تُقاس النجاحات بعدد المنصات، لا بعدد المشاريع التي ترى النور. أما السؤال الذي يبقى بلا منصة، فهو بسيط ومؤلم: متى يصبح الاستثمار سياسة، لا مجرد واجهة رقمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى