
فيصل العرايشي… حين يتحدث الإعلام عن قوته بعد أن أنهكه
فيصل العرايشي… حين يتحدث الإعلام عن قوته بعد أن أنهكه
قال فيصل العرايشي، بثقة من خبر طويـل لا يُناقَش، إن «الرياضة القوية لا يمكن أن توجد دون إعلام قوي». جملة صحيحة نظريًا، جميلة لغويًا، ومؤلمة واقعيًا. مؤلمة لأنها قيلت من داخل تجربة إعلامية امتدت لأكثر من ربع قرن، كان فيها الإعلام حاضرًا… لكن القوة غابت.
المفارقة أن هذا التصريح مرّ بهدوء غريب، دون ما يكفي من الاستنكار أو النقاش. ربما لأن الجميع اعتاد سماع الحكم بعد فوات الأوان، أو لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحتاج إعلامًا قويًا؟ بل: من أضعف الإعلام أصلًا؟
لأكثر من 25 سنة، ظل العرايشي رقمًا ثابتًا في معادلة الإعلام العمومي. لا تغيير، لا مساءلة حقيقية، ولا تقييم شفاف للحصيلة. تجربة طويلة بما يكفي لبناء مدرسة إعلامية، أو على الأقل لتقديم نموذج يُحتذى به. لكن النتيجة، كما يراها كثيرون، إعلام يتفرج على التفاهة وهي تتقدم، ويُصفّق للفراغ وهو يحتل أوقات الذروة.
الإعلام العمومي، الذي كان يُفترض أن يكون فضاءً لبناء الذوق العام، والدفاع عن القيم، ومواكبة التحديات الكبرى للبلاد، تحوّل — في جزء كبير منه — إلى شاشة بلا روح. محتوى مستهلك، إبداع محدود، ومهنية تُستدعى في الخطابات أكثر مما تُمارَس في الواقع. والرياضة؟ تُقدَّم أحيانًا كحدث، لا كمشروع وطني متكامل.
السخرية أن من يتحدث اليوم عن “إعلام قوي” هو نفسه من أشرف على مرحلة طويلة من التطبيع مع الرداءة. لم يكن الإهمال فجائيًا، بل تدريجيًا، حتى صار مألوفًا. وهنا مكمن الخطر: حين تتحول الأخطاء إلى عادات، والفشل إلى “استمرارية”.
في بلد يواجه تحديات صورة، وسيادة ثقافية، ورهانات دولية، يصبح التلفزيون العمومي أكثر من مجرد قناة. إنه واجهة دولة. لكن هذه الواجهة، بدل أن تدافع عن الوطن وسُمعته، بدت في كثير من الأحيان عاجزة عن الدفاع حتى عن نفسها أمام نقد الجمهور.
والأدهى أن بقاء نفس الوجوه في مواقع القرار الإعلامي، دون محاسبة أو تجديد، حوّل المسؤولية من فرصة إلى عبء. عبء على الدولة، على الميزانية، وعلى فكرة الإعلام العمومي نفسها. فحين يصبح الاستمرار هو الإنجاز الوحيد، يُطرح السؤال المشروع: هل المشكلة في الإمكانيات… أم في من يديرها؟






