سوق الصالحين… من حلم ملكي إلى بازار الفوضى والمحسوبية

سوق الصالحين… من حلم ملكي إلى بازار الفوضى والمحسوبية

يا للعجب! مشروع ملكي أُريد له أن يكون عنوانًا للنظام، فإذا به يتحوّل إلى درسٍ في العبث الإداري. سوق الصالحين في سلا، ذاك المشروع الذي كُتبت عليه كل شعارات “الشفافية والإنصاف”، صار اليوم مرآةً مكسورة تعكس ما لا يريد أحد أن يراه: فساد صغير في مشروع كبير، وطبخة إدارية بطعم الزبونية.

تُرى، أين تبخّرت روح المبادرة الملكية؟ المشروع الذي وُلد بميزانية تقارب 361 مليون درهم، كان يُفترض أن يُنقذ صغار التجار من فوضى الأسواق العشوائية، فإذا به يُغرقهم في متاهة جديدة، عنوانها: “من تملك الرقم السري للنفوذ، تملك المحل التجاري!”.

الذين أمضوا حياتهم في السوق القديم المعروف بـ“سوق الكلب”، خرجوا خاليي الوفاض، بينما “أصحاب الحظوة” تسلّلوا إلى لوائح المستفيدين وكأنهم ورثة شرعيون لمدينة سلا بأكملها. بعضهم لا علاقة له بالتجارة، وآخرون لا يعرفون الفرق بين الميزان والكيلو، ومع ذلك أصبحوا “تجارًا جددًا بفضل العلاقات”.

أحد المتضررين قالها بمرارة: “كنا نحلم بسوق يحفظ كرامتنا، فوجدنا أنفسنا نحفظ مكاننا في الطابور أمام باب البلدية!”، وهي جملة تختصر المشهد كله، وتكشف المسافة بين الخطاب الرسمي وواقع التنفيذ.

الأنكى من ذلك، أن المشروع الذي يحمل توقيع جلالة الملك يُستعمل اليوم كغطاء لتزيين صور بعض المسؤولين المحليين الذين يتعاملون مع المبادرات الملكية كغنيمةٍ انتخابية. كل شيء في سوق الصالحين صار يُدار بمنطق “أعطيني نعطيك”، وكأن المال العام مزرعة شخصية.

CNSS ramadan2026 728x90 2

نحن أمام نموذج حيّ لكيف يمكن أن تُفرغ الفكرة الملكية من مضمونها على يد البيروقراطية. فبدل أن يتحول المشروع إلى رافعةٍ للكرامة، صار شاهدًا على كيف تُدار المشاريع بالولاءات لا بالكفاءات.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

المتضررون يطالبون اليوم بنشر اللوائح والتحقيق في خروقات واضحة للعيان. لكن من يُحاسب من؟ فالمسؤولون المحليون يوزّعون الابتسامات أمام الكاميرات، بينما التظلمات تتراكم في الأدراج.

سوق الصالحين اليوم ليس مجرد مشروع، بل اختبار أخلاقي وسياسي. فإما أن تنتصر الدولة لفلسفة الملك في العدالة الاجتماعية، أو نواصل العيش في بلدٍ تُزيّن واجهاته بالأعلام والمشاريع، بينما الداخل يعجّ بالرائحة الكريهة للفساد.

المؤلم أن بعض المسؤولين يظنون أن المبادرات الملكية تُزيّن السيرة الذاتية، لا أن تُلزِمهم بالمحاسبة. وهكذا، كلّما وضع الملك حجر أساسٍ لمشروع، تسابق البعض لوضع “حجر عثرة” في طريقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى