خطاب الطمأنة وحدود الواقع… ماذا يريد حزب الأصالة والمعاصرة من الشباب؟

خطاب الطمأنة وحدود الواقع… ماذا يريد حزب الأصالة والمعاصرة من الشباب؟

يخرج المهدي بنسعيد، أحد وجوه القيادة في حزب الأصالة والمعاصرة، بخطاب مطمئن يؤكد فيه أن الحزب لا يخشى انتقادات الشباب، ما دامت سلمية وقانونية. تصريح يبدو، في ظاهره، منسجمًا مع روح الديمقراطية، لكنه يطرح في العمق سؤالًا أكثر حساسية: هل نحن أمام انفتاح سياسي حقيقي، أم مجرد محاولة لاحتواء غضب شبابي متصاعد؟

بنسعيد يشيد بالقوانين الانتخابية المعتمدة، ويعتبرها عاملًا أساسيًا في الحد من الفساد السياسي وإعادة الثقة بين المؤسسات والمجتمع. غير أن هذا الخطاب الإصلاحي يصطدم بواقع عزوف سياسي واسع، خاصة في صفوف الشباب، ما يوحي بأن القوانين، مهما بلغت جودتها على الورق، لا تكفي وحدها لإقناع جيل يشعر بأن السياسة تُدار بعيدًا عنه، لا به.

في حديثه عن دور الشباب، يكرر المسؤول الحزبي الدعوة إلى الانخراط في العمل السياسي، بشرط “الوعي والمسؤولية”. وهنا يكمن جوهر الإشكال: فالشباب، في نظر الخطاب الحزبي، مطالب بالانخراط وفق قواعد جاهزة سلفًا، لا بالمشاركة في صياغتها. المشاركة مطلوبة، نعم، لكن ضمن هوامش مضبوطة، لا تهدد التوازنات القائمة ولا تزعج البنى التقليدية داخل الأحزاب.

أما التأكيد على أن الانتخابات المقبلة ستكون عنوانًا للشفافية واحترام الإرادة الشعبية، فيبدو أقرب إلى وعد سياسي كلاسيكي، يتكرر مع كل استحقاق انتخابي. فمحاربة الممارسات السلبية لا تُقاس بالنوايا، بل بقدرة الأحزاب، ومنها الأصالة والمعاصرة، على القطع الفعلي مع منطق المال والنفوذ والوجوه المستهلكة التي ما زالت تحضر بقوة في المشهد.

في ملف العدالة الاجتماعية ورفض “مغرب السرعتين”، يرفع الحزب شعار الإنصاف المجالي، مؤكدًا أن التنمية يجب أن تصل إلى القرى لا أن تظل حكرًا على المدن الكبرى. لكن النقد هنا مشروع: إلى أي حد تُترجم هذه القناعة إلى سياسات ملموسة، لا سيما وأن الفوارق المجالية ما زالت من أبرز نقاط ضعف النموذج التنموي؟

ويأتي الحديث عن قانون المالية لسنة 2026 ليعزز هذا الخطاب، مع التركيز على الاستثمار في البنية التحتية وتقليص الفوارق. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الأرقام المعلنة، بل في قدرة الحكومة والأحزاب المكونة لها على تحويل هذه القوانين إلى أثر يومي يشعر به المواطن في المدرسة والمستشفى والطريق.

في المحصلة، يقدم المهدي بنسعيد خطابًا سياسيًا متوازنًا في لغته، إصلاحيًا في نواياه، لكنه يظل محاطًا بشك مشروع. فالشباب لا يطلب فقط وعودًا ولا طمأنة لفظية، بل يريد أفعالًا تُثبت أن النقد مسموع، والمشاركة حقيقية، وأن السياسة لم تعد فضاءً مغلقًا يُفتح موسميًا عند كل انتخابات. بين الخطاب والواقع، ما زالت المسافة قائمة… وهي المسافة التي ستحدد مستقبل الثقة بين الشباب والأحزاب.

Exit mobile version