حرب الظل داخل الحكومة: صراع أخنوش والسكوري يهزّ التكوين المهني

حرب الظل داخل الحكومة: صراع أخنوش والسكوري يهزّ التكوين المهني

تعيشُ الحكومة في الأيام الأخيرة على وقعِ ارتجاجٍ سياسي صامت، لا يسمع صداه المواطنُ العادي، لكنّه يهزُّ أركان الأغلبية من الداخل، بعدما تحوّل ملف التكوين المهني إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزيره يونس السكوري.

مواجهة لم تعد تخفى على أحد، خصوصًا بعد البلاغ “الحادّ” الصادر عن مكتب التكوين المهني، والذي بدا كصفعة سياسية غير مسبوقة لوزير التشغيل، وجرأة نادرة في مؤسسات عمومية يفترض أن تشتغل بسلطة الهدوء لا بحدة الردود.

ومنذ ذلك البلاغ، كشف المشهد عن حربٍ هادئة تُدار خلف الستار، أهدافها ليست الإصلاح الحقيقي، بقدر ما هي صراعٌ على النفوذ داخل قطاع يشرف على مشروع ملكي استراتيجي بحجم “مدن المهن والكفاءات”.

وفي قلب هذا الصدام، تقفُ المديرة العامة للمكتب، لبنى اطريشا، التي تحظى بثقة ملكية واضحة، وهي ثقة جعلت أي محاولة لإعفائها تصطدم – حسب مصادر متطابقة – برفض ملكي صريح خلال آخر مجلس وزاري.

هذا الرفض أربك الحسابات وأشعل فتيل التوتر أكثر، فاختارت بعض المنابر المحسوبة على الأغلبية شنّ حملة تشويه ضد المديرة العامة، محاولةً تصويرها وكأنها خارج سرب الحكومة، بينما الحقيقة أن المؤسسة التي تديرها تتحرك وفق توجيهات عليا، لا وفق مزاج سياسي عابر.

ولم يتوقف المشهد عند التراشق الإعلامي، بل تَحوّل إلى رسائل سياسية مبطّنة، أبرزها حضور اطريشا شخصيًا افتتاح “مدينة المهن والكفاءات بالداخلة” دون علم الوزير أو حضوره، في خطوة قرأها كثيرون على أنها تأكيد على استقلالية المكتب وولائه للمؤسسة الملكية قبل كل اعتبار آخر.

أما البلاغ الصادر عن المكتب، فقد اعتُبر داخل الأغلبية “تمرّدًا إداريًا”، لأنه فنّد تصريحات الوزير حول اختلالات المنح، واتهم – بشكل غير مباشر – الوزارة بالتأخر في تحويل الأموال، ما اضطر المكتب إلى تغطية العجز من ميزانيته الخاصة. وهنا بدا واضحًا أن الحدود بين السياسة والتدبير بدأت تتكسّر.

ويبدو أن يونس السكوري، الذي كان يومًا من أبرز وجوه حزب الأصالة والمعاصرة، صار اليوم أقرب سياسيًا إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، الأمر الذي فَسّر هجوم بعض الأصوات داخل حزبه عليه، معتبرين أن علاقته مع رئيس الحكومة باتت “رهانًا خاسرًا” يضعه في موقع هشّ داخل الحكومة وخارجها معًا.

في المقابل، يظهر عزيز أخنوش في موقع من يسعى إلى إعادة رسم موازين السلطة داخل المؤسسات العمومية، غير أن دخوله في صراع مع مسؤولة تنفيذية تحظى بثقة الدولة لا يبدو معركة محسوبة العواقب، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمشاريع استراتيجية لا تقبل الارتباك ولا الصراعات الجانبية.

وفي الوقت الذي يتبادل فيه الطرفان الرسائل السياسية، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا:
هل ما يجري صراعٌ حول من يُسيّر التكوين المهني، أم حول من يتحكّم في صورة الحكومة نفسها؟

بين ضغط السياسة وسلطة الإدارة، تظل الحقيقة الواضحة أن المؤسسة ربحت معركتها، وأن الصراع داخل الحكومة لم يعد سرًا، وأن التصدعات التي كانت خافتة بدأت تعلو إلى السطح، في مشهدٍ يطرح أكثر من علامة استفهام حول تماسك الفريق الحكومي نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى