
الفساد مؤجّل إلى إشعارٍ انتخابيٍّ آخر!
الفساد مؤجّل إلى إشعارٍ انتخابيٍّ آخر!
في خطوة فاجأت الكثيرين داخل دهاليز الإدارة، أصدرت الحكومة تعليماتٍ بتجميد عدد من الصفقات العمومية التي كانت على وشك الإعلان، بعد أن بلغت مراحلها النهائية. القرار، الذي جاء بهدوء غير معتاد، خلق حالة من الترقب في عدد من القطاعات الوزارية التي كانت تستعد لتوقيع عقودٍ بملايين الدراهم.
مصادر موثوقة أكدت أن هذه الصفقات تخص مجالات “معتادة” تثير دائمًا الجدل: تنظيم التظاهرات الرسمية، حفلات الاستقبال، وكراء السيارات بأسعار فلكية، وهي قطاعات لطالما شكّلت رمزًا لهدر المال العام تحت عناوين براقة.
اللافت أن القرار لم يكن إداريًا محضًا، بل اتخذ بلمسةٍ سياسية واضحة، إذ جاءت التعليمات مباشرة من وزراء قرروا تأجيل نشر محاضر النتائج إلى “إشعارٍ آخر”، وكأنّ الحكومة تضع نفسها في وضعية “مراقبة ذاتية” خوفًا من غضبٍ شعبي جديد، خصوصًا بعد أن صار حراك جيل زد يؤثر فعليًا في النقاش العام ويحرّك مؤشرات الرأي.
مصادر قريبة من دوائر القرار ترى أن الهاجس الانتخابي هو العامل الحاسم في هذه الخطوة. فالحكومة، التي تستعد لسنتها الأخيرة قبل الاستحقاقات المقبلة، لا تريد فتح جبهات جديدة قد تجرّها إلى موجة انتقادات أو تضعها في مواجهة مباشرة مع الشارع.
ويبدو أن الوزراء اختاروا “الاحتياط السياسي” بدل المجازفة بصورة حكومة تصرف الأموال في الكماليات بينما المواطن يئنّ تحت ضغط الأسعار.
وفي المقابل، تشير تسريبات من وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن مصالحها رفضت بعض الطلبات القادمة من الوزارات التي حاولت رفع ميزانيات “النفقات الثانوية”، خاصة ما يتعلق بالفنادق والاستقبالات والمناسبات الرسمية. الوزارة شدّدت على أن قانون مالية 2026 سيقتصر على الإنفاق الضروري فقط، في محاولة لتبريد حرارة التبذير المالي الذي أصبح حديث الرأي العام.
لكن، ورغم أن القرار يُقدَّم رسميًا كإجراء لـ“ترشيد النفقات”، إلا أن التوقيت السياسي يجعله موضع شك وتساؤل: هل هو بالفعل إصلاح إداري حقيقي يهدف إلى ضبط المال العام؟ أم أنه مجرد حركة تكتيكية لتلميع صورة الحكومة قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع؟
المفارقة أن ترشيد النفقات لم يظهر إلا عندما ارتفعت أصوات الشباب الغاضبة، وكأنّ الحكومة لا تتحرك إلا تحت ضغط الرأي العام. فهل سيستمر هذا “الانضباط المالي” بعد الانتخابات؟ أم سيعود كل شيء إلى طبيعته القديمة حيث تُمنح الصفقات كما تُوزع الولاءات؟
إنها قصة المال والسياسة في نسختها المغربية… حيث تتداخل الحسابات الانتخابية مع ميزانيات الدولة، وتتحوّل الشفافية إلى شعارٍ مؤقت يُرفع فقط عندما يشتد الغضب الشعبي.






