“الفراقشية” خيال؟ السعدي وحده يرى ما لا يراه المغاربة

“الفراقشية” خيال؟ السعدي وحده يرى ما لا يراه المغاربة

في المغرب، لم تعد المشكلة في “الفراقشية”… بل في من ينفي وجودهم بثقة تُثير الإعجاب أكثر مما تُقنع. خرج لحسن السعدي ليؤكد أن الظاهرة مجرد خيال جماعي، وكأن المغاربة استيقظوا فجأة على موجة من الهلوسة الاقتصادية المنظمة.

الطريف في القصة أن هذا “الخيال” لم يره فقط المواطن البسيط، بل رآه أيضًا وزراء ومسؤولون داخل نفس الحكومة. نزار بركة تحدث عنهم بوضوح، ودعاهم إلى “اتقوا الله في البلاد”، بينما أقرّ فوزي لقجع بوجودهم، وذهب وزير الفلاحة في نفس الاتجاه. لكن السعدي، يبدو، قرر أن يلعب دور “المشكك الوحيد”… الرجل الذي لا يرى إلا ما يناسب الرواية الرسمية.

لكن دعونا نترك التصريحات جانبًا، ونفتح دفتر الحسابات.

أكثر من 1300 مليار سنتيم من المال العام صُرفت لدعم استيراد المواشي. رقم يكفي لإقناعك بأن الدولة دخلت المعركة بثقلها. لكن حين تكتشف أن حوالي 133 مستوردًا فقط تقاسموا هذه الكعكة، بمعدل يقارب 40 مليون درهم لكل واحد، تبدأ القصة تأخذ منحى مختلفًا… أقل تضامنًا، وأكثر انتقائية.

الهدف كان واضحًا: تخفيض الأسعار، النتيجة كانت أوضح: الأسعار واصلت الارتفاع، وكأن السوق لم يسمع أصلاً بوجود الدعم. بل أكثر من ذلك، بعض الوزراء أنفسهم اعترفوا أن الوسطاء يحققون أرباحًا تصل إلى 40 درهمًا في الكيلو. يعني ببساطة: المال العام اشتغل… لكن في الاتجاه المعاكس.

وهنا تبدأ السخرية الحقيقية.

الاستيراد تضاعف، الدعم تضاعف، الأرباح تضاعفت… فقط جيب المواطن هو الذي بقي ثابتًا في معاناته. ومع ذلك، يُطلب منه أن يصدق أن “الفراقشية” مجرد فكرة… ربما اخترعها الناس لتسلية أنفسهم في مواجهة الغلاء.

المفارقة الأكبر أن الحكومة، رغم كل هذا الجدل، رفضت تشكيل لجنة تقصي الحقائق. قرار يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت الظاهرة غير موجودة، فلماذا الخوف من التحقيق؟ أم أن “الخيال” قد يتحول إلى حقيقة مزعجة إذا تم الاقتراب منه أكثر؟

في السياسة، يمكن تبرير الكثير… إلا إنكار ما يراه الجميع. لأن المواطن قد يغفر الخطأ، لكنه لا يغفر الاستخفاف بذكائه. وحين تتحول الأرقام إلى عبء، يصبح أسهل حل هو إنكارها… أو إنكار ما تعنيه.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بـ”الفراقشية” فقط، بل بطريقة تدبير ملف كامل. ملف اختلطت فيه النوايا بالنتائج، والقرارات بالأرباح، والوعود بالواقع. وبين كل هذا، بقي المواطن يؤدي الفاتورة… ويُطلب منه أن يبتسم، لأنه يعيش “وهمًا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى