...

السكوري يُطمئن بالأرقام… والمواطنون يبحثون عن الواقع!

السكوري يُطمئن بالأرقام… والمواطنون يبحثون عن الواقع!

في مشهدٍ يعكس كل التناقضات الممكنة، خرج وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل يونس السكوري بتصريحاتٍ جديدة حول مشروع مدن المهن والكفاءات، لم تُطفئ الجدل القائم، بل زادت من اشتعاله.

الوزير قالها بوضوح: «المشروع ملكي جدي لا يجب أن يخضع للنقاش أو التجاذبات السياسية». جملة قصيرة، لكنها تختصر الكثير من المعاني: حكومة ترى في النقاش خطرًا، وفي الصمت ضمانة للاستمرارية.

السكوري تحدث بلغةٍ تجمع بين الثقة والتبرير، بين أرقام مطمئنة وواقعٍ مثير للقلق. فبينما يؤكد أن نسبة الأشغال بلغت 70٪، يعترف بأن الداخليات لا تستوعب سوى 16٪ من المتدربين، أي ما يقارب 5500 سرير فقط. مفارقة تُلخص المسافة الطويلة بين ما يُقال في التصريحات وما يُنجز في الميدان.

الحكومة تقدّم هذه المدن على أنها “قاطرة التحول المهني”، لكن الأسئلة تتكاثر كلّما ارتفع منسوب الخطاب الرسمي. فهل يكفي إنشاء مدينة متقنة الهندسة في غياب نسيج اقتصادي قادر على استقبال خرّيجيها؟ وكيف تتحول “الجدّية الملكية” من شعارٍ تنموي إلى درعٍ يُمنع به النقاش والمساءلة؟

حديث الوزير عن الشفافية بدا أقرب إلى طقسٍ إداري متكرّر منه إلى محاسبة عمومية حقيقية. كلمات مثل “دفاتر تحمّلات دقيقة” و“مساطر مضبوطة” تتكرر كلّما فشل مشروع أو انسحبت شركة. حتى السكوري نفسه أقرّ أن إحدى الشركات المنجزة للمشروع فشلت في الاستمرار، مبرّرًا ذلك بعبارةٍ لافتة: “كما حدث مع عشرة آلاف مقاولة في قطاع البناء.” وكأنّ العجز أصبح قاعدة، والمحاسبة استثناء.

CNSS ramadan2026 728x90 2

أما الأرقام التي تحدّث عنها الوزير بخصوص تراجع القطاع غير المهيكل إلى 10.9٪ من الناتج الداخلي، فهي أقرب إلى حلمٍ بيروقراطي من واقعٍ ملموس. ففي بلدٍ يعيش فيه الآلاف من الباعة المتجولين “بدافع الضرورة”، تبدو هذه النسبة أشبه بورقة إحصاء وُضعت لتجميل تقريرٍ حكومي أكثر من كونها نتيجة فعلية.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

كلما تأخّر الإنجاز، تتكاثر العبارات المضيئة: “الرؤية الملكية، الشفافية الكاملة، المسؤولية الحكومية.” وكأن الخطاب أصبح وسيلة لتغطية الفجوات بدل توضيحها. فالمشكلة الحقيقية ليست في التمويل ولا في التصميم، بل في الذهنية التي تدير المشاريع الكبرى بعقلية إدارية جامدة، تخاف النقاش وتختبئ خلف الألقاب الملكية لتفادي المساءلة.

إنها المفارقة المغربية في أجمل صورها وأكثرها تهذيبًا: مشاريع تُبنى بالحماس الملكي، وتُدار بالحذر السياسي. وعندما تُصبح الجدية شعارًا للصمت بدل العمل، يتحول التكوين المهني إلى طقسٍ رمزي لا يصنع كفاءات بقدر ما يُنتج تصريحات متوازنة وابتسامات بروتوكولية.

فمدن المهن والكفاءات اليوم، كما وصفها البعض، ليست سوى حجر مكتمل وفكر مؤجل. إنها تُشبه لوحة جميلة معلقة على جدارٍ هش. والكارثة ليست في المباني التي شُيّدت، بل في الفكر الذي لم يُبنَ بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى