أسواق السمك تغلي: قرار الدريوش تحت نيران المهنيين

أسواق السمك تغلي: قرار الدريوش تحت نيران المهنيين

في مشهد يختزل العلاقة المتوترة بين الإدارة والواقع، قررت زكية الدريوش أن تُدخل “ثورة مالية” على أسواق السمك… لكن بطريقة تذكّر أكثر بقرارات تُكتب في المكاتب وتُختبر على أعصاب المهنيين.

القرار واضح: لا مزيد من الشيكات التقليدية. من الآن فصاعدًا، على تجار السمك أن يدفعوا مسبقًا أو يأتوا بشيكات مضمونة، وكأن السوق كان يعيش في فوضى نقدية، فجاءت الإدارة لتنقذه بانضباط مفاجئ.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في القرار، بل في توقيته وطريقته… حيث لم تُكلّف الوزارة نفسها عناء إشراك من سيطبق عليهم القرار.

الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة لم تتأخر في الرد. رفضت، احتجت، وطرحت سؤالًا بسيطًا: كيف تُفرض قواعد جديدة على قطاع كامل دون استشارة أصحابه؟

هنا لا يتعلق الأمر فقط بتقنية الأداء، بل بطريقة تدبير قطاع حساس، يعيش أصلاً على توازن هش بين العرض والطلب، وبين القدرة المالية للتجار.

الإدارة تقول إنها تريد تنظيم السوق، لكن المهنيين يرون شيئًا آخر. يرون أن القرار، بصيغته الحالية، لا يساوي بين الجميع. التاجر الصغير الذي يعتمد على سيولة محدودة سيجد نفسه خارج اللعبة، بينما الفاعلون الكبار، القادرون على تجميد الأموال أو تقديم ضمانات بنكية، سيواصلون اللعب… وربما يحتكرون السوق بهدوء إداري.

وهنا تبدأ السخرية المرّة: الدولة تعلن حربًا على الفوضى، لكنها تفتح الباب أمام احتكار منظم. تحارب العشوائية… لكنها قد تُنتج نخبة مالية جديدة داخل سوق السمك، لا تحتاج إلى مهارة في التجارة بقدر ما تحتاج إلى حساب بنكي مريح.

القرار سيدخل حيز التنفيذ في فاتح أبريل، وكأن التوقيت نفسه يحمل نكهة ساخرة. لأن المهنيين لا يطلبون إلغاء الإصلاح، بل فقط تأجيله، شهرًا أو شهرين، لفتح نقاش حقيقي. طلب بسيط، لكنه يكشف فجوة أكبر: إدارة تسرع نحو التنفيذ، وقطاع يلهث للحاق بقرارات لم يشارك في صياغتها.

في الخلفية، صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 36.23، في محاولة لإعادة هيكلة سوق بيع السمك بالجملة. خطوة تبدو ضرورية على الورق، لكنها تفقد جزءًا من مشروعيتها حين تُطبّق بمنطق الفوقية، لا بمنطق الشراكة.

السؤال الذي يفرض نفسه ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز: هل تريد الوزارة إصلاح القطاع… أم إعادة ترتيب موازين القوة داخله؟ لأن الفرق بين الإصلاح والتضييق لا يُقاس بالنوايا، بل بنتائج القرار على الأرض.

وبين خطاب الإصلاح وواقع السوق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تُدير الدريوش القطاع بعقلية تنظيمية… أم بعقلية اختبار، حيث يُطلب من المهنيين التأقلم أولًا، ثم الفهم لاحقًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى