
حين تتحول الصناعة التقليدية إلى معارض وسفريات بلا جدوى
حين تتحول الصناعة التقليدية إلى معارض وسفريات بلا جدوى
منذ أن تسلّم لحسن السعدي مفاتيح كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، بدا وكأن القطاع دخل في سبات إداري عميق. لا ضجيج تطوير، لا أثر إصلاح، فقط ركود يتّسع، وسوداوية تُسوَّق على أنها “مرحلة انتقالية”. الصناعة التي تُفترض أن تكون ذاكرة حيّة، تحوّلت إلى ملف ثقيل يُدار بمنطق التجميل لا العلاج.
الميزانيات؟ تضخّمت. النتائج؟ تلاشت. دار الصانع صارت عنوانًا لإنفاق بلا بوصلة: معارض تُفتتح وتُغلق بلا أثر، لقاءات تُصوَّر وتُنسى، وسفريات تُسجَّل في التقارير أكثر مما تُسجَّل في حياة الحرفيين. مديرٌ يتحرّك بتوجيهات لا تُنتج سوى ضجيجٍ إداري، وقطاعٌ يدفع الفاتورة.
وعندما تُطرح الأسئلة داخل البرلمان، يختار السعدي رياضة الهروب. لا إجابات، بل اتهامات معلبة: “تشويه للسمعة”، “استهداف للمنطقة”، “محاولات لإخراجنا من المأزق”. كأن السؤال عن الحل صار جريمة، وكأن الاعتراف بالفشل ترفٌ لا يليق بالمناصب.
الحلول غائبة، والمناورة حاضرة. لا خطة إنقاذ، لا مسار واضح، فقط رفض دائم لفكرة أن الإدارة أخطأت. وفي ظل هذا الفراغ، تُمارس سياسة إقصاء ناعمة: الأموال تُوجَّه حيث الكاميرا، حيث “المؤثّر”، بينما الحرفي الحقيقي يواصل العمل في صمت، بلا حماية اجتماعية، بلا تسويق عادل، وبلا أفق.
المشهد يزداد سخرية حين نرى البذخ الإداري يجاور الفقر الحِرَفي. مسؤولون في رفاهية مؤتمرات وفنادق، وحرفيون يعدّون الأيام بمنتجات لا تجد سوقًا. هكذا تُدار الصناعة التقليدية: احتفال فوق، ومعاناة تحت.
ولا غرابة أن تتصاعد التوقعات حول عدم استمرار السعدي في منصبه، خصوصًا بعد الإشارات السياسية القادمة من أعلى الهرم. عزيز أخنوش ألمح إلى أن الهياكل لا تُدار للأبد بالأسماء ذاتها، وأن التقييم قادم لا محالة. وعندما يأتي، سيكون الحساب بسيطًا: ماذا أُنجز؟ وما الذي تُرك للحرفيين غير الصبر؟
الصناعة التقليدية ليست ديكورًا للمعارض، ولا عنوانًا لصور تذكارية. هي اقتصاد عيش، وهوية عمل، وكرامة يدٍ تصنع. وبين هذا المعنى الثقيل، وإدارة خفيفة بالوعود، تتّسع الفجوة… ويضحك السخرية وحدها، لأن الواقع لم يعد مضحكًا.






