أخنوش يغادر المشهد وصحف المديح تعيد الحساب…

من الحكومة إلى العناوين: كيف صدم أخنوش داعميه إعلاميًا؟

في قاعة مغلقة، وبنبرة وُصفت بالهادئة أكثر مما ينبغي، جمع عزيز أخنوش مدراء صحف ومواقع إلكترونية اعتادت الجلوس في الصفوف الأمامية للتصفيق. اجتماع قيل إنه تواصلي، لكنه انتهى كجلسة علاج جماعي لصدمة سياسية غير متوقعة.

الخبر، الذي نزل كقطعة جليد في كأس دافئ، لم يكن عن منجزات الحكومة ولا عن رهانات المرحلة، بل عن قرار أخنوش عدم الترشح للانتخابات المقبلة. جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لإرباك الوجوه، وإرباك أكثر لدفاتر الحسابات. فالبعض لم يكن مهيأ نفسيًا ولا مهنيًا لفكرة أن “المانشيت” قد يُسحب من تحت قدميه.

الاجتماع، الذي لم يُدرج رسميًا في خانة “إعادة هيكلة العلاقة مع الإعلام”، تطرّق بسلاسة إلى نقطة حساسة: إعادة جدولة الدعم المالي. دعمٌ لم يكن يومًا مجرد أرقام، بل كان ضمانة لاستمرار عناوين براقة، وافتتاحيات متفهمة، وصمتٍ محسوب عند كل زلّة حكومية. فجأة، صار السؤال المطروح: ماذا بعد إذا غاب الاسم من السباق؟

الصدمة كانت مضاعفة. ليس فقط لأن القرار فاجأ الحضور، بل لأنه هدد توازنات داخلية في بعض المنابر، حيث بُنيت أقسام كاملة على فرضية “الاستمرارية”. موارد بشرية وُظفت على أساس الولاء التحريري، لا على أساس النقد أو الاستقلال. ومع غياب الترشح، اهتزت الأرضية التي كانت تُبنى عليها المقالات قبل أن تُبنى الأفكار.

المفارقة أن هذه المنابر نفسها كانت، إلى وقت قريب، تُجيد الحديث عن الإنجازات، وتتحاشى بمهارة الإشارة إلى الأخطاء. حكومة تُدار بلا مشاكل في الأعمدة، وبلا أزمات في العناوين. النقد كان مؤجلاً، أو مفقودًا، أو يُعالج بجرعات خفيفة لا تُفسد العلاقة.

تزامن الإعلان مع التحضير لفتح المؤتمر الاستثنائي للحزب بمدينة الجديدة لم يكن تفصيلاً عابرًا. رسالة واضحة مفادها أن الحزب، كما قال أخنوش، “له هياكله ومساره”، وأن رئاسته ليست وقفًا أبديًا. تصريح جميل، يُشبه كثيرًا تلك العبارات التي تُقال عندما يُراد طمأنة الجميع… من دون طمأنة أحد.

لكن الأثر الأبرز للاجتماع لم يكن سياسيًا بقدر ما كان إعلاميًا. فقد وضع حدًا، ولو مؤقتًا، لممارسات الصمت المريب، وحرّك مياهًا راكدة داخل صحافة كانت تُجيد السباحة مع التيار. فجأة، صار النقد ممكنًا، أو على الأقل مطروحًا للنقاش، بعد أن غابت الحاجة إلى المجاملة الدائمة.

هكذا، لم يكن الاجتماع مجرد لقاء بين سياسي وإعلاميين، بل لحظة كاشفة لعلاقة معقّدة، حيث تُدار السياسة بالحساب، ويُدار الإعلام بالانتظار. انتظار الدعم، انتظار الإشارة، وانتظار الاسم الذي يُكتب في العنوان… أو يُمحى منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى