
إدماج القطاع غير المهيكل: مشروع إصلاحي أم شعار سياسي جديد لوزارة مزور؟
إدماج القطاع غير المهيكل: مشروع إصلاحي أم شعار سياسي جديد لوزارة مزور؟
وزير الصناعة والتجارة رياض مزور قرر أن يقدّم لنا درساً جديداً في علم “الالتفاف السياسي”، وهو يفسّر وضعية الباعة الجائلين وكأنها إنجاز اجتماعي، لا نتيجة مباشرة لفشل سياسات التشغيل والتنمية.
يخبرنا الوزير، بكل هدوء، أن مداخيل الباعة الجائلين تتراوح بين 4000 و4200 درهم شهرياً، ويعتبر ذلك شكلاً من “الحماية الاجتماعية”. هكذا بكل بساطة يتحول العيش اليومي بين مطاردة السلطات، وحرّ الشمس، وتهديد الحجز، إلى نموذج بديل عن التقاعد والتغطية الصحية والتعويضات العائلية. يبدو أن الوزير اكتشف نوعاً جديداً من “الضمان الاجتماعي”: ضمان البقاء على قيد الحياة فوق الرصيف.
ثم يتحدث عن “ضرورة حماية هذه الفئة”، عبر خلق فضاءات للبيع وتنظيمها. وكأن المشكلة الأساسية في المكان الذي يبيع فيه البائع الجائل، لا في السبب الذي دفعه إلى الشارع أصلاً. لا حديث عن مسؤولية الدولة في خلق فرص عمل حقيقية، ولا عن التعليم والتكوين، ولا عن السياسات التي أنتجت هذا الجيش من الباعة المتجولين، فقط حديث عن التنظيم و”فضاءات الاستقبال”، كأننا بصدد ترتيب ديكور مدينة، لا ترتيب حياة بشر.
الوزير يُقحم الجماعات المحلية في الموضوع، ويلمح إلى أن دور وزارته يقتصر على “المواكبة” وتوفير الإمكانيات. أما الفوضى في الشوارع، والبطالة المقنّعة، والاقتصاد الموازي الذي يعيش منه مئات الآلاف، فهذه مجرد تفاصيل تُلقى في حضن الجماعات، وكأن الحكومة ضيف شرف على المشهد الاقتصادي، وليست الفاعل الأول فيه.
وعندما يعترف مزور بوجود منافسة غير شريفة بين القطاع المهيكل وغير المهيكل، بل وأحياناً داخل الشركة نفسها، فإنه يعترف عملياً بأن الدولة تعلم جيداً كيف يُلعب خارج القانون، ومن يلعب، وكيف تُستغل الفوضى لخفض الكلفة والتهرب الضريبي. ومع ذلك، يتم تقديم “إدماج القطاع غير المهيكل” كعنوان نبيل للنمو الاقتصادي وزيادة الموارد الضريبية، لا كتصحيح لمسار سياسات سمحت بهذا العبث لسنوات.
الأكثر إثارة للسخرية هو الحديث عن “نماذج ناجحة”، مثل تجربة مدينة العيون، حيث تم تخصيص أماكن منظمة للباعة الجائلين. كأننا أمام إنجاز حضاري سيغيّر وجه الاقتصاد الوطني، بينما الحقيقة أن كل هذا لا يتجاوز نقل الفقر من الرصيف إلى سوق مغطى، مع تعليق لافتة جديدة: “تنظيم”.
في النهاية، يظهر الوزير كمن يريد أن يقنعنا بأن البائع الجائل ليس ضحية سياسات اقتصادية واجتماعية، بل فرصة استثمارية واعدة، وأن دخله الهش ليس نتيجة عجز الدولة عن ضمان كرامته، بل “حماية اجتماعية” بترخيص لفظي من الوزارة.
إنه خطاب يُجمّل العطب بدل مواجهته، ويسوّق العجز على أنه “خيارات”، ويكتفي بترتيب واجهة الأزمة، تاركاً جذورها في مكانها، تنمو بهدوء… في الشارع.



