مول الحوت… حين يتحوّل البلطجية الرقمية إلى “قدوة” ويصبح الأستاذ هدفاً للاستهزاء

مول الحوت… حين يتحوّل البلطجية الرقمية إلى “قدوة” ويصبح الأستاذ هدفاً للاستهزاء

في هذا الوطن الذي أصبح فيه الميزان مقلوباً رأساً على عقب، لم يعد غريباً أن يخرج علينا مول الحوت في فيديو يتباهى بسيارته الفاخرة، ويُقارنها بسيارة أستاذه القديمة، ثم يقدّم نفسه نموذجاً للنجاح، وكأنه اخترع الكهرباء أو بنى صاروخاً نحو المريخ.

مشهد عبثي جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الظواهر التي لا تُضحك بقدر ما تُبكي، لأن ما وراء السخرية البسيطة يكمن انهيار كامل لمنظومة قيم كنا نظنها صامدة.

مول الحوت، الذي وجد في مواقع التواصل الاجتماعي مسرحاً واسعاً لعرض بطولاته التجارية الوهمية، قرر فجأة أن يُعطي دروساً في النجاح للأجيال. النجاح عنده يُقاس بالسيارة اللامعة، وبقدرة الجيب على اللمعان أكثر من العقل، ويقاس أيضاً بمدى قدرتك على إهانة أستاذك الذي صنع فيك شيئاً من الأبجدية… قبل أن يصنع الزمان منك ظاهرة عابرة.

ولم يقف “نبوغ” مول الحوت عند حدود السخرية من مُعلمه، بل ذهب أبعد من ذلك، حين جعل من عرض سيارته مقابل سيارة الأستاذ معركة وجود، وكأنه يقول: “انظروا إليّ… أنا الربح، وهو الخسارة”. نسى – أو تناسى – أن النجاح الحقيقي ليس في ثمن السيارة، بل في ثمن الإنسان، وأن الأستاذ الذي يسخر منه هو نفسه الذي كان يُعلمه القراءة والكتابة، لولا أن بعض الدروس ضاعت في الطريق، أو ربما لم يستوعبها أصلاً.

المؤلم في القصة ليس الفيديو، بل التصفيق الذي تلقاه صاحبنا من مراهقين وجدوا في الجهل بطولة، وفي المال معياراً للقيمة، وفي الاستهزاء بالأستاذ شجاعة.

هنا تكمن الكارثة الحقيقية: عندما يصبح الضحك على رجل تعليم مادة ترفيهية، وعندما يُصفّق المجتمع للسطحية، بينما يُترك أهل المعرفة في الهامش بسيارات متواضعة، لأنهم اختاروا طريقاً لا يوزّع الثراء السريع ولا “الشهرة الفارغة”.

والأدهى أن مول الحوت لم يكتفِ بالخطأ الأخلاقي، بل اقتحم أيضاً باب القانون، بنشره صورة شخص دون موافقته، والإساءة إليه في فضاء رقمي يعاقب على التنمر، ويُجرّم التشهير. ومع ذلك، ظلّ صاحبنا يتجول بكل هدوء، وكأن القانون هو الآخر يجب أن يُقارن بسيارته، ليقرر إن كان يستحق الاحترام أم لا.

القصة ليست مجرد فيديو… هي مرآة لمجتمع يُصفّق أحياناً لمن لا يستحق، ويُهين أحياناً من يجب أن يُكرّم. ولعلّ المفارقة أن الأستاذ، بسيارته القديمة، أكثر قيمة من ألف مول الحوت، لأن قيمة المرء تُقاس بما يُضيفه للناس، لا بما يشتريه لنفسه.

فيا مول الحوت…
قد تكسب المال، وقد تكسب المشاهدات، لكنك بالتأكيد خسرت شيئاً أهم:
الاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى